"أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدِّر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب عليَّ"25 .
والشاهد الذي نريده هو قوله: ومن خشي أن لا يعقلها . . . الخ .
لأن الإشاعة ليست كسائر الأخبار فلا تنقل إلا بعد التثبت ومن ثمَّ لا يخبر بها كل أحد كما سبق بيانه بخلاف العلم المتعلّق بالأمة كلها قال ابن حجر رحمه الله تعالى: ( وفيه الحث على تبليغ العلم ممن حفظه وفهمه وحث من لا يفهم على عدم التبليغ إلا إن كان يورده بلفظه ولا يتصرف فيه ) 26 .
ثامنًا: أن يسارع أولًا في استشارة أهل العلم والفضل في أمر هذه الإشاعة وعليه أن يأخذ بمشورتهم فإنهم أدرى بالمصلحة بحكم علمهم وتجربتهم . بل قد بين الله تعالى في محكم التنزيل أن هذا المسلك - أعني مسلك الرد إلى أهل العلم - هو المسلك السليم في مثل هذا .
قال تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا } 27 .
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى: ( هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ، ما يتعلق بالأمن ، وسرور المؤمنين ، أو الخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطًا للمؤمنين وسرورًا لهم وتحرزًا من أعدائهم فعلوا ذلك وإن رأوا ما فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه .
ولهذا قال ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) أي يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة .