…فلنترك هذا الصنف من الناس غير آسفين عليهم فهم ليسوا المعنيين بالحديث . إنما أعني بذلك بعض الغيورين الذين خرجت عاطفتهم وحماستهم عن الحد الشرعي لها فأعانوا - على حسن نية - على زيادة الجراح ومن الأمثلة على ما وقع فيه أولئك أمر الإشاعة ، تلك الآفة التي تسري في جسد الأمة سريان النار في يابس الحطب فتأكل بشراهة وتفسد في لحظات ما يفسد بغيرها في ساعات أو أيام .
…ولما كان للإشاعة سوق رائجة وبضاعة نافقة مع عدم الاكتراث أو عدم تقدير الآثار الناتجة من بطلان الإشاعة . وهذا هو بيت القصيد أردت أن أقدم هذا المبحث المتواضع عن موضوع الإشاعة سائلًا ربي عز وجل الإخلاص في القول والعمل وعودًا على ما سبق فيقال لو بحثنا عن سبب تلك الآثار المترتبة عند بطلان الإشاعة لوجدنا أن النواة والبذرة الأولى هي عدم التثبت في الأخبار وأخذها جزافًا دون تمحيص أو نقد .
…ولو رجعنا إلى أدب الإسلام في مثل هذه الأمور لما حدث ما حدث وما يحدث الآن وما سيحدث - والعلم عند الله - من تناقض الأخبار والمصادر فهذا ينفي وهذا يثبت وذاك يشكك وآخر يؤكد . فكم من حي قد أميت وكم من ميت قد أحي وكم من ضال شاع أمره بأنه أصبح من الأولياء وكم من صالح ذُكر أنه نكص على عقبيه وكم من بريء قد اتهم وكم من متهم حوله قرائن وشواهد قوية قد برّي براءة كاملة كالشمس في كبد السماء ليس دونها سحابة . فاختلط الحابل بالنابل .
فما أدب الإسلام في مثل هذا ؟
…منهج عظيم وميزان دقيق أدق من ميزان الذهب في بيان صحيح الأخبار من سقيمها يتمثل في نصوص كثيرة على رأسها:
{ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } 3.
…نداء وأمر بالتبين وتحذير ثم بيان العاقبة الوخيمة في حالة عدم التروي والتثبت .
…أمّا النصوص الثابتة في السنة فكثيرة منها:
…قوله صلى الله عليه وسلم:"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع"4 .