فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 50

وفي قصة أبي الدرداء مع سلمان رضي الله عنهما قال سلمان: (إنَّ لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فاعط كل ذي حق حقه) أخرجه البخاري.

وهذان الحديثان أصل في مسألة الاتزان النفسي، وتوزيع الحقوق والواجبات، وأنّ الحق العلمي ليس مقدمًا على حقوق أخرى، ذكرتها الأحاديث، وفهمت من مقررات الشريعة، ولا يجوز بحالٍ صرف الزمان كله في طلبه، وتحقيقه على حساب إهمال الجوانب الأخرى، التي هي واجبة ومؤكدة.

وهذا الاتزان النفسي، يُسهم بدرجة كبيرة بإذن الله، في القضاء على الشَتات العلمي، وتحويل دفقه السريع، إلى نوع من التأمل والترسل والترتيب، وهو ما تحتاجه الحياة العلمية.

وقد قيل (من أراد العلم جملةً فاته جملةً) فالعلم مسألة ومسألتان وحديث وحديثان، ونظام وتنسيق، وتعقل وترتيب.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله: (ولا يأخذ الطالب نفسه بما لا يطيقه، بل يقتصر على اليسير الذي يضبطه ويحكم حفظه ويتقنه) .

وقال ابن شهاب الزهري رحمه الله (من طلب العلم جملة فاته جمله، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان) .

وقال شعبة أبو بسطام رحمه الله (كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين، فيحدثني ثم يقول أزيدك، فأقول لا، حتى أحفظها وأتقنها) .

وقد استنكر الامام مالك رحمه الله على طلابه حفظ الموطأ في أربعين يوما فقال لما عرض عليه الأوزاعي وغيره في أربعين يوما (كتابٌ ألفته في أربعين سنة، أخذتموه في أربعين يومًا! قلما تفقهون فيه) !!

وهذا مسلك عقلاني وذكي في حياة السلف قبلنا لأنهم أدركوا سَعة العلم وامتداده الفسيح، فعمدوا إلى التنظيم العلمي، والانتخاب الفقهي عبر سلم منهجي منظم. يحفظ الهمة، ويضبط الاتزان، ويورث الثمرة بإذن الله تعالى وإنما نبهنا عليه هنا، لأن الاندفاع التحصيلي قد يشق دربه ويظن أنه لا ينقطع، أو قد يسارع يلى نوع واحد من العلوم لكنه جارٍفية لا يلوي على أحد قد امتطى المفازة، وركب المضيق وينتهي به الأمر إلى النصب والاستحسار أو النكوص والإفلاس!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت