فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 50

الحكمة التحصيلية:

ضرب من الذكاء العلمي، الذي يُستعمل مع العلم ومعارفه الهائلة ونفائسة الزاخرة. وهي أدق من العنصر السابق (الاتزان النفسي) فهي موازنة دقيقة، وبصيرة نافذة، وتأمل عميق، يحسن مهارة التعامل مع العلوم والكتب ويسبر غورَ المعارف، ويقوم بتنظيم أولوياتها، وتخير مفرداتها الثمنية وعناصرها السمينة.

قال تعالى:"وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا" [البقرة:269] ، قال الإمام مالك رحمه الله (الحكمة: المعرفة بالدين، والفقه بالتأويل، الفهم الذي هو سجية ونورمن الله تعالى) إن الطالب العلمي يحتاج الى إشراقات الفهم العميق، ترشده وتنير له سبيله، وتبصره بدوافع العلوم وغوائلها ومحاسنها ومكدراتها، وكلياتها، وجزئياتها فيختصر الطريق، ويصيب المحك، ويقع على الفريسة، ويصل الى الخاتمة المأمولة. إن العلوم والفنون المختلفة، قديمها وحديثها، واسعة الرحاب، وملأ بالغث والسمين، والطالب اللبيب هو من يتخير من كل شئ أحسنه، ويصيب قلب الشجرة، ويجتني رحيقها وعصارتها، ويتباعد عن أشواكها ومنكراتها.

إن حكمة الطالب التحصيلية تطارده في حركته ومشيه وفهمه وتلقيه، وحسه وكلامه، وسفره وترحاله، فهو يتحرك، ويقرأ، ويثابر وفق حكمة تختزل المنهج العلمي، والحركة التاريخية والخبرة الحياتية، لتصل إلى جواهر العلوم، ولوامع المعارف، وزبد المسيرة والتقلاب.

إن الحكمة التحصيلية يفيد منها الطالب، في تمييز الكتب/ وانتخاب عميقها ومفيدها وليس مجرد سهلها ويسيرها! ويفاصل فيها بين الشيوخ والعلماء فينقطع إلى أكثرهم عقلًا ودينًا وعلمًا وليس مجرد الشهرة واللموع القضائي والتأليفي. ومن الحكمة الخفية على جمهرة التلاميذ التفنن في القراءة، فليس كل شئ يقرأ وليس كل شئ يحفظ، وإنما يقف الحكيم على مقاصد المتون فيحفظها، وعلى مهمات الأسفار فيستوعبها.

ومن الحكمة هنا، عدم الإغترار بالمظاهر والصيت المنقول عن الكتب والشيوخ والمؤسسسات العلمية، وليجعلها على المحك، وليتعامل وليتأمل قبل الإقدام والإقتناع.

إن الحكمة التحصيلية، تتطلب نوعًا من الأناة، والتأمل، والعمق والتبصر في كل نشاط مبذول، أو حركة استثمارية أو سع فعال. إن عصرنا مكتظ بمعارف مختلفة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت