فهرس الكتاب
4 -الانقطاع التحصيلي، بسبب النجاح المبدئي، حيث نجد من يحفظ القرآن مثلًا ويضبط عمدة الأحكام، يفرح بذلك مطلقًا، وأنه حاز الكمال، وبلغ الرشاد، فحقه الراحة والقعود والانقطاع والرقود وهذا خطأ منهجي.
فلماذا لا أفكر بعد الحفظ والضبط أن أقرأ تفسير القرآن، وتأمل معانية وبحث مسائله الأحكامية، وتأمل قضاياه الرئيسية ... وهلم جرا.
ومتن عمدة الأحكام، دافع لي أن أتعرف على؟ معاني هذه الأحاديث الشريفة، وأن اكتشف أسرارها الفريدة، من خلال شروحات مختصرة، تحوطني بالفقه والوعي والاسترشاد.
وأزيد عليه، أن أجمعَ شروحا أخرى، تناسب مستواي وأعقد المقارنة بينها. وإن كان لا يزال لدىّ نهمةً للحفظ، فأنتقل الى كتاب آخر كصحيح البخاري، أو اللؤلؤ والمرجان، فأطالعه، وأتحفظ ما يطيب ويتيسر. والمحصَّل هنا أنَّ تحاوز المرحلة الأولى بنجاح لا يعني الانقطاع بل يجب أن تكون دافعًا لمرحلة جديدة. مزهوة بالمعاني والأسرار التوضيحية لمتون المرحلة المتقدمة، أو إنجاز ضبطي آخر، يُضاف إلى ذلك الإنجاز. كذا هي البهجة بالإنجاز المرحلي! المضيّ والجد والمواصلة وليس الضعف والسكون والانقطاع.
إن الإنجاز المرحلي، يعتبر أداةً قوية لتثبيت البرنامج المتبع، ومؤشرًا لحفظ اتزان الطلاب النفسي والعلمي، بحيث لا يداخله الفتور، أو يعتريه الانهزام والاستهانة. ومن الضروري لطالب العلم أنْ يقسم سيره المنهجي إلى مراحل وخطوات وفصول متدرجة، يبدأ أولا بأصيلها ثم دليلها ثم جميلها، ويحرص ألا ينتقل إلى مرحلة جديدة، إلا بعد تخطيه بوسام الإنجاز المرحلي الذي هو خطوة للأمام، ودوفعه متقدمة للكدح العلمي، والعناء التحصيلي، إذ العلم مراتب ومراحل، ولا يُتصوَّر طلبه في مرحلة واحدة! بل لابد له من سلالم متدرجة، ومنازل متصاعدة، تأخذ الطالب خطوةً خطوة، وترسخه بتدرج متميز، وتفقهه حسب ترتيب رصين يمر بمراحل الحفظ، ثم الفهم، والاستنباط، رغم النشر والعمل والبلاغ.