فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 50

وكذا هو العلم بمراتبه ودرجاته المتتابعة والشاهد من هذا الكلام المثبت هنا أنّ الإنجاز المرحلي، ليس حسمًا لقضية الطلب، أوختما لحقائقها، بل هو مقدمة ثابتة، وارضية يرجى صلابتها لمواجهة بقية المراحل والفصول المتعاقبة. والله الموفق.

إن الإنجاز المرحلي قطرة في طريق يابس، ولا يزال محتاجًا إلى قطرات متتابعات تفضي على كل ألوان الجدب والجفاف، وتحي القلب الإنساني بينابيع الغيث والصفاء، وتضئ العقل ببيارق النور والضياء، وتزكي السلوك بأعلام الهدى والاستقامة. وهذا نذر يسير في بركة العلم المزهرة وعائدته الزاهية التى لا يُشبع من مائدتها، ولا يُمل سماعها، ولا يزهد في عبقها وأريجها.

فلو قد ذقتَ من حلواه طعما ... لآثرت التعلم واجتهدتا

ولم يشغلك عنه هوى مطاعُ ... ولا دنيا بزخرفتها فتنتا

فقوتُ الروح أرواح المعاني ... وليس بأن طعمت ولا شربتا

إن أرواح المعاني حدائق غناء، وبساتين ذات بهجة، ورياض يانعة، تسر النفس البشرية برؤيتها واستنشاق عبيرها فكيف لو ولجت زهورها، وخالطت أوراقها وثمارها، واستذافت من عناقيد أفنانها وفواكهها. إنها للحظة نورانية فريدة، وسعادة روحاينة خالدة، استطعمها الأوائل، وعاشها أئمه الإسلام وكل حمله العلم الذين ضحوا من أجله، وصبروا على شدته ورزاياه. فيا عجبًا كيف يُزهد فيه، ويُلتمس سداه؟ وتُُطلب السعادة في أشياء أخرى وعلوم ترفيه، ومواطن عبثية؟!!

إن لذاذة العلم، وخيمة وجنحه السعادة، التي تكتنف بها حملته وطلابه، شئ يفوق الخيال، ويتجاوز الوصف، لا يمكن أن أعبر عنه إلا بالشواهد التاريخية وإلاحداث الوقائعية التي رسمها الأئمة الأفذاذ عندما اختاروا هذا المسلك، وآثروه على ما سواه، وبذلوا فيه دمهم ودموعهم وأموالهم، غير مبالين بغانيةٍ حسناء، ولا زينة غراء، ولا دنانيرفاخرة، ولا منازل عالية!!

هذا يحيى بن معين رحمه الله، أمام الحديث الشهير لما سئل ماذا تشتهي فقال (بيت خالٍ وإسناد عالٍ) . واستمع الى الإمام ابن فارس اللغوي ماذا يقول ويسطر من عمق فؤاده الراضي ونفسيته السعيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت