موزونة، ومتدرجة، تبدأ أولًا بإصلاح التوحيد، ثم تتجه لباقي التشريعات، وتأخذ الناس بالرفق والرحمة والحوار التي هي من شواهد النظام في الدعوة والحياة. وكان آخر الرسل صلوات الله عليهم رسولنا المختار، ونبينا البار عليه الصلاة والسلام الذي بان من دعوته وسياسته حسن تخطيطه وروعة تنظيمه، وأنه يسير وفق خطة محكمة، ومنهج منتظم.
وهذا يتجلى في أمور منها:
أولًا: التركيز على قضايا العقيدة، وطرح كل ما يعبد من دون الله، حيث مكث ثلاث عشرة سنة يقول: (يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وهذا إبان الدعوة المكية
ثانيًا: نزول القرآن منجمًا حسب الوقائع والأحداث:"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا" [الفرقان:32] .
ثالثًا: قيام دعوته على إصلاح ما بين العبد وربه تعالى، وما بينه وبين الناس حسب قانون شرعي واجتماعي، يكفل الحقوق، ويرتب الأولويات، ويفرق بين الكليات والجزيئات دون اهمال أو إخلال أو خلط وتفريط، بحيث أصبحت شريعته منبع النظام الجميل والصورة القيمية الراقية.
أنت الذي زهَت الحياةُ بنوره ... وأبادَ جيشِ الليل وهو لهامُ
وأقام في الدنيا النظام وقبله ... ما كان فيها منهجُ ونظامَ
رابعًا: التدرج في تقرير الواجبات، وتحريم المنكرات والأمثلة على ذلك كثيرة، منها فرضية الصيام، وطريقة تحريم الخمر واعتباره أم الخبائث وأس الفظائع والرذائل، وفرضية الجهاد.
خامسًا: الترسل في الدعوة وإنكار المناكر حسبما أفاده حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه في الصحيح عندما قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ... إلخ) فهذا التدرج الإنكاري يقرر أهمية النظام والترتيب في معالجة المنكرات، وهو نوع من الحكمة العملية المفيدة. ولما بعث معاذًا إلى اليمن كما في الصحيحين قال له (إنك تأتي قومًا أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا آله إلا الله وأني رسول الله ... إلخ.