الشيخ محمد صالح المنجد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله
إن المؤمن يعبد الله في حله وترحاله، وتتغير بالناس الأحوال، فيضعنون ويقيمون، ويحلون ويرتحلون، ولذلك فإن المسلم مطالب بالتأدب بآداب الشريعة والتمسك بأحكامها في الحضر وفي السفر، ألا ترى أهل العلم ذكروا أنه ينبغي لمن أراد سفرًا أن تكون له نية صالحة، بسفر إلى طاعة أو مباح على الأقل، أن يستخير ويستشير، أن يتوب ويقضي الدين، ويخرج من مظالم الخلق ويتحلل ممن أساء إليهم، وأن لا ينسى نفقة أهله، ويختار الرفقة الصالحة في السفر، وأن يحرص على السنة، (( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ ) )رواه البخاري. وفد رجل من سفرٍ فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( من صحبت ) )؟ (يعني في هذا السفر) قال: ما صحبت أحدًا، فقال له: (( الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب ) )؛ ومعنى الحديث كما ذكر الخطابي رحمه الله: أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، أو يحمل عليه الشيطان ويدعو إليه، ولذلك سمى فاعله شيطان.
الإسلام يريد أن يكون المؤمنون جمعًا، وأن يعبدوا الله -سبحانه وتعالى- معًا، وأن تكون هنالك رفقةٌ، وحتى لا يختلفوا استحب لهم التأمير، (( إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ ) )، فهذا الذي يحسم الأمور بينهما إذا اختلفا.
ويودع أهله وجيرانه وأصدقائه، ولذلك كان يقول ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول للرّجل إذا أراد سفرًا: هلمّ أودّعك كما ودّعني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (( اسْتَوْدِعْ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وخواتيم عَمَلِكَ ) )، فيستودع الله تعالى الدين، لأن السفر قد يحمل الإنسان على التقصير فيه، أو التساهل في المعصية، وإذا ذهب إلى مكان فكان غريبًا لا يستحي كما كان يستحي في البلد وحوله من يعرفه، وقوله وأمانتك: أي الأهل، والأولاد، والودائع التي تركها المسافر في بلده، وخواتيم عمله، يجعل آخر عمله قربه، فهذا دعاء إلى الله، والأعمال بالخواتيم، والله إذا استُودع شيئًا حفظه، كما أخبرنا -صلى الله عليه وسلم-، جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إنّي أريد سفرًا فزوّدني، فقال: (( زوّدك اللّه التّقوى ) ). فقال: زدني، فقال: (( وغفر ذنبك ) ).
قال زدني: (( قال ويسّر لك الخير حيثما كنت ) ).رواه الترمذي وهو حديث صحيح. فإذا ودع إخوانه كان في دعائهم له بركة.