ويستحب السفر صباح الخميس إن تيسر، لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وأن يبكر في الخروج، وقال: (( اللهم بارك لأمتي في بكورها ) )، والذكر مع المسافر صاحب، وقرين صالح، وفضله في أوقات الغفلة عظيم، والإكثار من الدعاء في السفر مظنة الإجابة، ويأتي إذا أشرف على قرية بالدعاء المعروف: (( اللهم إني أسألك خيرها، وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها ) )حديث صحيح.
فإذا صعد أو أقلعت به الطائرة في طبقات الجو وارتفعت، ناسب أن يكبر الله تعالى ليذكر نفسه أن العلو من صفاته سبحانه، وهو أكبر من كل شيء، وحديث جابر: كنا إذا صعدنا كبّرنا، وإذا تصوبنا سبّحنا. (أي إذا انحدرنا ونزلنا) رواه البخاري.
فهكذا يكون الشأن عند هبوط الطائرة، فهي تهبط وهو يسبح، وينّزه ربه عن كل عيبٍ، والاستعلاء والارتفاع محبوب للنفس، فيصيبها بالكبرياء، فيذكر نفسه أن الكبرياء لله، والمكان المنخفض محل ضيقٍ، فهو يسأل أسباب الفرج بمعنى التسبيح، وقد قال يونس في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك، فنجّي من الغم.
دعاء نزول منزل للكبير والصغير، (( من نزل منزل ثم قال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيئًا حتى يرتحل من منزله ذلك ) ).
ما هي كلمات الله؟ كل كلام الله تعالى تامٌ، سواء كان القرآن أو التوراة أو الإنجيل، أو صحف إبراهيم أو زبور داود، أو غير من ذلك من الكتب التي أنزلها الله، وكذلك أوامره سبحانه الصادرة إلى ملائكته، وكلامه سبحانه النازل إلى أنبيائه، كما هي السنة فإنها وحي، فكلمات الله تعالى صدقٌ وعدل تامة من كل وجه، هذه الكلمات التي لا يدخلها نقص ولا عيب، نافعةٌ شافية، من صفاته سبحانه، فإنه يتكلم، ومن صفاته الكلام، والاستعاذة بالصفة مشروع وارد، كقوله: أعوذ بعزة الله وقدرته، أعوذ بكلمات الله، قال القرطبي رحمه الله عن الحديث في النزول: هذا خبر صحيح علمنا صدقه دليلا وتجربة، منذ سمعته عملت به، فلم يضرني شيء إلى أن تركته فلدغتني عقرب ليلة فتفكرت فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بهذه الكلمات.
ونزل جماعة منزلًا فقالوا هذا الذكر، فلما أقلعوا من مكانهم وطووا خيمتهم وجدوا تحتهم ثعبانا لكن لم يمسهم شيء بفضل الله عز وجل.
والسرى في آخر الليل طيب، وهو سير المسافر، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (( عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ) ). وخدمة الإنسان المسلم في حلهم وترحالهم من التواضع ومن أبواب الأجر، قال مجاهد رحمه الله: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني. وقال أنس رضي الله عنه: (خرجت مع جرير بن عبد الله في سفر فكان يخدمني وكان جرير أكبر من أنس) . رواه البخاري ومسلم.
وجرير أسلم وهاجر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو متواضعٌ لخادم رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وخادم له.