الصفحة 3 من 7

صحب أحد السلف تاجرا موسرا فلما رجعا قال التاجر: والله ما ظننت أنّ في الناس مثله، كان - والله - يتفضّل عليّ في النفقة وهو معسر وأنا موسر ويتفضل عليّ في الخدمة وهو شيخ ضعيف وأنا شاب، ويطبخ لي وهو صائم وأنا مفطر.

إذا أنت صاحبت الرجال فكن فتى ** كأنك مملوك لكل رفيق

وكن مثل طعم الماء عذبًا وباردًا ** على الكبد الحرى لكل صديق

وقد جاء في السنة ماذا يقال في الرجوع، فقد أخبرنا -عليه الصلاة والسلام- بعدم الإطالة بالسفر، بقوله: (( السَّفَرُ قِطْعَةٌ من الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فإذا قَضَى أحدكم نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إلى أَهْلِهِ ) ).

ولا شك أن في الأسفار من أنواع التعب والنصب والمشقة ومقاساة الحر والبرد والخوف والإرهاق وتغير الأجواء المؤثر في الصحة والشعور بالوحشة والغربة ومفارقة الأهل والأصحاب، والخشونة ما فيه، قال ابن حجر معلقًا:"وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع ولا سيما مَن يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة."

ومن انقضت حاجته لزمه الاستعجال كما قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله إلى أهله الذين يقوتهم، مخافة ما يحدثه الله فيهم من بعده، وينبغي ألا يقدم عليهم فجأة ولكن يخبرهم ليتهيئوا لاستقباله، وأن يبدأ في المسجد فيصلي ركعتين، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيبدأ ببيت الله قبل أن يدخل بيته، ويحمد ربه على الرجوع سالمًا بهاتين الركعتين، كان الفقيه الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله إذا دخل البلد ولو في غير وقت الصلاة، يدور فيها حتى يجد مسجدًا مفتوحًا ليصلي فيه ركعتين، أخذ بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ويستقبله أهله وأولاده، كما جاء عن أنس رضي الله عنه قال: كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا، وكانوا إذا رجعوا يُستقبلون كما جاء في عدد من الآثار بأولادهم.

ولما صارت الأسفار في هذه الزمان قصيرة سريعة بفعل الطائرات، فات كثيرٌ مما جاء في الآثار بسبب سرعة العودة وكذلك قصر المدة، بخلاف السفر في الأزمان الماضية، فقد كان البعير يسير وعليه راكبه المحمل، يقطع 40 كيلًا، ولا يمكن الزيادة على ذلك في الغالب، في اليوم والليلة، فيسّر الله من الوسائل ما يسّر، فينبغي للعبد أن يحمد ربه، وأن يعبده سبحانه وتعالى، وأن يذّكر نفسه، فإذا رأى بلدته قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. يكررها حتى يدخل بنيان البلد، وجاء في رواية أن -عليه الصلاة والسلام- كان يقول (( توبًا توبًا لربنا أوبا ) ).

وقد جاءت الشريعة بما يخفف الأحكام في الأسفار، وهذا من فضل الله -عز وجل-، ومما لا يهتم به كثير من الناس مسألة القبلة في السفر، فتراه يجتهد وفي المكان من يُسأل من أهل المكان، فلا يجوز الاجتهاد وفي المكان من المسلمين المقيمين من يعرف القبلة قطعًا، لأن الاجتهاد قد يخطئ، وإنما محل الاجتهاد ما إذا لم يكن هنالك مجال لأن يدله أحد من المسلمين على جهة القبلة، ممن هو موجود أو مقيم في ذلك المكان، واستعمال الآلات في معرفة القبلة طيبٌ لأنه وسيلة إلى تحقيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت