وعيش الإنسان في الضوضاء وصخب المدن وما فيها من أنواع الإزعاج والتلوث، وجعل الليل نهارًا والنهار ليلًا، يحتاج معه الإنسان أن يتذكر الحياة الفطرية، بذهابه مع أهله أحيانًا إلى مكان خارج هذه المدن، يستطيع فيه أن ينظر إلى السماء، فإنك في البلد لا ترى النجوم، لا تكاد ترى اشتباكها، لا تتمكن في كثير من الأحيان من النظر إلى الشمس عند شروقها وغروبها، فهذه المباني تحجبها، فإذا خرجت إلى أرض الله الواسعة، رأيت في أفلاك هذه السماء وزينتها، والنجوم التي خلقها الله تعالى، وجعلها أيضًا دلالة للمسافرين، ورجومًا للشياطين، {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} (16) سورة النحل، فتعلم أولادك كيفية الاستدلال على جهة الشمال بهذه النجوم، وكيفية معرفة أوقات الصلوات، هذه فرصة كبيرة لمن أراد أن يذهب إلى البر مثلًا، وإن التأمل وتنقل الفكر في ملكوت الله وما خلق يزيد الإيمان، وكذلك في الهواء الطيّب صحة للبدن، بعيد عن هذه الملوثات الجسدية، وهم إذا ناموا مبكرين بعد العشاء واستيقظوا مبكرين لأجل الفجر، فيه تذكير بطبيعة الحياة التي خلق الله الناس عليها، وجعل الليل سباتًا والنهار معاشا سبحانه وتعالى، وكذلك فإن في أنواع هذه الأسفار ما يكون فيه صلة للرحم ومجال للجلوس مع الأولاد لغرس المفاهيم الإسلامية وتعويض النقص الذي كان من الأبوين في الجلوس معهم أوقات العمل والدراسة، فيؤتى بآيات الله بأساليب شيقة في شرحها، وتقص القصص والوصايا كوصية لقمان لابنه، ووصية يعقوب لأولاده، وقصة أصحاب الأخدود، وكذلك ما يكون في أنواع هذه المواعظ التي ذكرها الله وأمرنا برعاية أولادنا بناءًا عليها {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (التحريم: من الآية6) .
وحتى عند إيقاد الحطب فرصة، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستثمر ذلك، فضرب لأصحابه في صغائر الذنوب مثلًا فقال: (( كمثل قوم نزلوا أرضا في سفر فحضر صنيع طعامهم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا شيئا عظيما فأججوا نارا وأنضجوا طعامهم، وقال حينئذ:(إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ) )رواه أحمد وهو حديث صحيح.
وحتى في هذه النار التي تورى في البر ذكرى كما قال -سبحانه وتعالى- ... {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْشَاتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ* نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ* فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (الواقعة:72) (الواقعة:73) (الواقعة:74) (الواقعة:71) .
جعلها الله متاعًا لأنه تدفئ في البرد، وتذكرة بنار جهنم التي أعدها الله للعاصين، وجعلها سوطًا يسوق به عباده إلى طريق الحق خائفين، ومتاعًا للمقوين: أي المسافرين، خص الله المسافرين لأن انتفاعهم بها أعظم من غيرهم، فهذه النار جعلها الله متاع للمسافرين في هذه الدار وتذكرة لهم بدار القرار، وما أعد فيها لأهل معصيته.
وأيضًا فإنه يتذكر العبد بارتحاله أن الدنيا مولية، وذاهبة، كان صلة بن أشيم يمر في طريقه إلى المسجد بشباب يلهون ويلعبون فيقف ويقول لهم: (أخبروني عن قوم أرادوا سفرا فنزلوا إلى جانب الطريق في النهار وناموا بالليل(لا ساروا بالليل ولا ساروا بالنهار) فمتى يبلغون قصدهم؟) ثم يمضي.