الحمد لله الهادي من استهداه طلبًا لمرضاته، الواقي من اتقاه رَغَبًَا في جناته. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير رسله ودعاته.
وبعد....
لم يزل حملةُ الآثار ونقَّالُ أخبارِها، وفقهاءُ الأقطار وعلماءُ أمصارِها، متوافرون على القول بالنهى عن نبيذ الخليطين، حتى صار تحريمُه هو القول المأثور، والرأي الشائع المنصور، لا يكاد يُعرف في الناس إلا إيَّاه، إذ لا حجَّة ولا برهان لرأىٍ سواه.
وانقضى قرنُ الصحابة وشطرٌ من قرن الأتباع، وليس بهم ميلٌ لهوىٍ ولا رغبةٌ في ابتداع، حتى انتحل طائفةٌ من فقهاء الكوفة في الأنبذة مذهبًا مرذولا، لا أثارةَ عليه من علمٍ معقولًا كان أو منقولا، إذ لم يحرِّموا إلا شرابًا لا تحريم عندهم لسواه، وهو عصير العنب إذا أسكر ما لم يطبخ حتى يذهب ثلثاه، وما عداه من نبيذ أو نقيع أو عصير، فلا تحريم له في رأيهم في قليل ولا كثير، وكأن لم ينبئوا بما في أمهات دواوين الإسلام، أنَّ ما أسكر كثيره فقليله حرام، وأن كل مسكرٍ خمر وكل خمرٍ حرام.
ومن عجبٍ ساد هذا المذهب وشاع، وكثُر مقلدوه لموافقته الطباع، فالناس أساري شهواتهم، مائلون إلى من وافق رغباتهم، سيما الرغبة في لذائذ المطعوم والمشروب، فلا بأس باجتناب خمور الأعناب إذ هي ليست بأعز مطلوب، وليُشرب بعدها كلُّ نبيذٍ ويباح، حتى إذا قارب شاربُه السُّكر أمسك واستراح، إذ ليس عليه ذنبٌ ولا جريرة، ما لم يحصل الإسكار بنقطةٍ أخيرة *، وفيما قاله أئمة الكوفة غنية عن الاعتذار، إذ التعويل على فتياهم كافٍ للنجاة من النار، فقد رخصوا لنا، فليحملوا عنا أوزارنا !!.