ولما لم يكن في التقدير والحسبان، اجتماع الأمة على العصيان والبهتان، لاستحالة ذلك فيما قضاه الله وقدَّره، وأخبر به الصادق المصدوق وقرَّره، أنَّ أمَّته لا تجتمع على الضلال، فإنَّ ذلك عين الباطل والمحال، فقد أحيا أئمة المذاهب المتبوعة، ورواة الأخبار المسموعة، أحيا الله قلوبهم، ونضَّر يوم القيامة وجوههم، أحيُّوا ما أمات غيرُهم من آثارٍ واردةٍ في الشراب: نبيذِه وعصيرِه، وخرَّجوا الأخبار القاضية بتحريم المسكر: قليلِه وكثيرِه، وحرَّموا على الناس نبيذ الخليطين، واجتمع على ذلك إماما الحرمين **، طيَّب الله ثراهما، وجعل جنان الخلد مأواهما، وتابعهما على قول من يُعتمد قوله ويُقبل، ثالث الأئمة أحمد بن حنبل، رضي الله عنه ورضَّاه، وجعل جنة النعيم داره ومثواه، ثم جاء العلامة المناظر الحجَّاج، المنعوت قلمه بسيف الحجَّاج، الذي لولا بدعته في نفى القياس، لكان الإمام المقدَّم عند كل الناس، أعنى ابن حزم فقيه أهل الظاهر، فقطع حجَّة كل مخالفٍ مجاهر، وأردى أقوال المخالفين صرعى، وحشد في (( محلاه ) )الدلائل فأوعى. فهؤلا الأئمة لا تضل بإتباعهم، ولله درُّ داعٍ إلى نصر أقوالهم:
قدْ أحدثَ الناسُ أمورًا فلا... تعملْ بها إني امرؤٌ ناصحُ
فما جماع الخير إلا الذي... كانَ عليه السلفُ الصالحُ
فلا يهولنك كثرة القائلين بالجواز مع الكراهة، فإنَّ إتباعَ الرخص ضربٌ من البلاهة، وليس من الديانة تقليد ما وافق الهوى، فقد ضلَّ من اتخذ إلهه هواه وغوى.
فإن أبيت إلا الشقاق والخلاف، ولم تقنع لنفسك بسلوك سبيل الأسلاف، وخضت مع الخائضين في بحر التقليد، وزعمت أنك تأوي إلى ركن شديد، فلا أحسبك إلا كمن أتته الآياتُ فانسلخ منها، أو عرضت عليه أطايب المأكل والمشرب فأعرض عنها.