فهرس الكتاب
وأعجبُ شئٍ وأبعدُه عن حقائق الحكمة النبوية المبثوثة في ثنايا أقواله وأفعاله وأحواله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قول الحافظ ابن حجر (( ولعلَّه لم يصم لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يتركُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أمَّتِهِ ) )!!.
وقد يقال: ويتأيَّد قوله ذا بما أخرجاه فى (( الصحيحين ) )من حديث مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
فنقول: بل الحق أن النَّبىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يترك عملًا بالكليَّة، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ، ولا ينبغى اعتقاد ذلك في حقِّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا أرادته عائشة بقولها ذا، وإن خشى أن يفرض على أمته ذاك العمل المحبوب عنده، لم يتركه بمرةٍ، وإنما يَعْمَلُهُ دون أن يطلعهم عليه، ومن غير أن يروه وهو يَعْمَلُهُ، لئلا يأتسوا به ويفرضوه على أنفسهم. وهذا هو اللائق بمفهوم حديث عائشة، كما دلَّ عليه قولها (( إنْ كان لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّه ) )، وتعنى: أنه يدع العمل مما يعمله في الخفاء، لئلا يراه أصحابه، فيقتدوا به، وربما تعنى: لا يواظب عليه، فيعمله مرة، ويتركه أخرى.
وأما قولها رَضِيَ اللهُ عَنْهَا (( مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا الْعَشْرِ قَطُّ ) )؛ فليس بهذه السبيل، إذ لو أحبَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِيَامَ الْعَشْرِ ما تركه بالكليَّة، ولفعله ولو مرَّة من عُمُرِه، ولما قالت ذلك رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فهى أولى النَّاس به إحاطةً ومعرفةً.