فهرس الكتاب
صورة من الصبر والكفاح الدائب، الذي لم ير نظيره ولم يسمع مثله، لقد استخدم شتى الوسائل ونوَّع الأساليب واحتمل المعاندة والاستكبار، قال تعالى: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) [هود: 27 - 28] .
وفي رده هذا عليه السلام، تلطف، وترفق بقومه في دعوتهم إلى الحق.
معاشر المسلمين:
لقد كان مبعث نوح عليه السلام رحمةً للناس، فهو أول رسول إلى أهل الأرض، أرسله الله بعد حصول التبديل والتحريف، وإذا انقلب الناس من عبادة الله وحده، إلى عبادة الأصنام والأولياء والطواغيت، وعظمت الضلالة والكفر، واندثر الهدى والعلم فكان نوح عليه السلام إشعاعة التوحيد في ظلمات الكفر والغي، وكان منبعَ الهداية في زمان السوء والظنون. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) .
وفيه قال: عند تفسير قوله تعالى: (وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَداًّ وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) [نوح: 23] . قال هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم عبدت.