فهرس الكتاب
وكان نوح عليه السلام يدعو إلى عبادة الله وحده، ونبذ كل ما يعبد من دونه، بلسان فصيح ناصح عليم بالله تعالى (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 62] .
أصبح نوح وأمسى (داعية محترقًا) يخشى هلاك قومه، فكان يسر ويجهر، ويغشى منازلهم ويذكرهم ويرغبهم، ويحذرهم غضب الله وعقابه، واحتمل في دعوته العظيمة كل صور العناد والاستهزاء، فكان يدعو ويكرِّر، ويؤذي ويصبر، ويُجهل عليه ويحلم، ويسخر منه ويترفق. وهو في كل ذلك متجلد صابر، لم يكسل ولم يتوانَ وينقطع. بل كانت نفسه الملتهبة، تزداد صبرًا بعد صبر، ومضاءً بعد مضاء، وصمودًا بعد صمود.
فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ
أيها الإخوة الكرام:
تطاول الزمان، واتسعت المجادلة، وتعاظم الكفر والعناد فلم يؤمن بنوح عليه السلام في تلك المدة الطويلة إلا قليل كما أخبر سبحانه في تلك المدة الطويلة إلا قليل كما أخبر سبحانه: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) [هود: 40] بل كانوا يتواصون جيلًا بعد جيل بعدم الإيمان به ومحاربته ومخالفته، وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل، أوصاه أن لا يؤمن بنوح عليه السلام ما عاش أبدًا، فكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتباع الحق، ولهذا قال (وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا) [نوح:27] .