فهرس الكتاب
بل إن الإنسان ليعجب من تعظيم هذه الرسالة لمحاسن الأخلاق، بأن جعلتها مقصدا من مقاصدها، ففي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن جابر رضي الله عنه بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وفي لفظ (صالح الأخلاق) .
وكان صلى الله عليه وسلم مع رحمته بإخوانه المؤمنين شديدًا على أعداء الله الكافرين، مرهبًا لقلوبهم، كاسرًا لشوكتهم، محطما لتحدياتهم، مهما كان عددهم، أو كانت عدتهم!!
قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر ـ والعفة ـ والشجاعة ـ والعدل. انتهى كلامه.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأركان القِدْح المعلَّى، سطعت في حياته وتجلت في شخصيته، وكانت شموس أخلاقه وشمائله.
فأما الصبر فهو باب الاحتمال وجسر المشاق، والطريق للحلم والأناة وكظم الغيظ، ولقد كان صلى الله عليه وسلم صبورًا غاية الصبر، محتملًا للأذى، غير ثائر ولا حاقد، غير طائش أو مستعجل، يحتمل في دعوته كل المشاق، وكل الاعتداءات، وكل البليات! كذبه قومه في مكة، فصبر وآذوه ونالوا منه، وسخروا منه السخرية الشديدة، وهو يقابل ذلك كله بالصبر مستشعرًا قول الله له، (مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) (فصلت: 42) فلم يمَل ولم يكَل، بل كان ثابتًا قويًا، وصابرً مستيقنا (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ) (الروم: 60) وبالصبر يا مسلمون تهون الرزايا، وتخف