فهرس الكتاب
وقد يظهر الغموض عند سيبويه في اضطراب الدلالة الاصطلاحية التي يبتغيها، فيقود اختلاف فهم النحاة لتلك الدلالة إلى تعدد في التحليل النحوي. يقف سيبويه عند الواو من قوله تعالى: [ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ] [1] . يقول سيبويه:"فإنّما وجّهوه على [أنّه] يغشى طائفةٌ منكم وطائفةٌ في هذه الحال، كأنه قال: إذ طائفة في هذه [الحال] ، فإنما جعله وقتًا، ولم يرد أن يجعلها واو عطف، وإنما هي واو الابتداء" [2] . لم يوضّح سيبويه معنى الحالية للواو، فجاء تمثيله قلقًا يحتمل غير وجه، فقوله:"وطائفة في هذه الحال"تجعل دلالة الحالية محتملة، وقوله:"كأنه قال إذ طائفةٌ في هذه الحال، فإنما جعله وقتًا"يدل في ظاهره على أنها بمعنى"إذ"الظرفّية الزّمانّية، وقوله:"ولم يرد أن يجعلها واو عطف، وإنّما هي واو الابتداء"، يجعلها تحتمل الاستئناف، لتكون في بداية جملة، لذلك اختلف النحاة في الدلالة الاصطلاحية التي يبتغيها سيبويه لهذه الواو، ومن ثَّم تعددت الأوجه في تحليلها، فعن مكي أنّها واو الابتداء [3] ، ولعله يريد بها الواو الاستئنافية التي تتصدر كلامًا منقطعًا عمّا قبله. ثم أضاف أنه قيل في هذه الواو: إنها للحال، وقيل أيضًا: إنها بمعنى"إذ" [4] . ولا يخفى أثر كلام سيبويه في هذه الأوجه، فإنّه يحتملها جمعيًا. ويعقب ابن هشام بأن المراد من كلام سيبويه هو أنها واو الحال، وأن تقديرها بـ"إذ"لا يقصد به أنها بمعناها، فالحرف لا يرادف الاسم، وإنما يراد بهذا التقدير أنها وما بعدها قيد للفعل السابق، كما أنّ"إذ"كذلك، ومن ذهب إلى غير ذلك فإنه وقع في وهم [5] . ونرى أن الأوجه التي تعددت في الواو قاد إليها كلام سيبويه، وما أضافه ابن هشام يدلّ على عمق نظره، ولكنه لا
(1) . سورة آل عمران، الآية"154".
(2) . كتاب سيبويه1/ 90، والمعقوفات من المحقق.
(3) . مغني اللبيب ص470 - 471.
(4) . المصدر نفسه.
(5) . المصدر نفسه.