الصفحة 44 من 61

يلغي تعدّد الفهم، لاضطراب الدلالة الاصطلاحية كما تبيّن. ولعل ظاهرة الغموض التي رأيناها في الأمثلة السالفة لها أمثلة كثيرة في كتاب سيبويه [1] .

ويواجها الغموض عند سيبويه بمظهر يختلف عما مرّ، فقد يتناول بعض القضايا بالشرح والتفسير، فيقع في بعض جمله غموض ما يقود إلى تعدد في تفسير كلامه وتحليله نحويًا. يقول سيبويه عندما يفسر ظاهرة التثنية في الأسماء:"واعلم أنّك إذا ثّنيتَ الواحد لحقته زيادتان، الأولى منهما حرفُ المدّ واللين، وهو حرف الإعراب غير متحرك ولا منون، يكون في الرفع ألفًا، ولم يكن واوًا ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حدّ التثنية، ويكون في الجرّ ياءً مفتوحًا ما قبلها، ولم يكسر ليفصَل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ويكون في النصب كذلك، ولم يجعلوا النصب ألفًا ليكون مثله في الجمع، وكان مع ذا أن يكون تابعًا لما الجرّ منه أولى، لأنّ الجرّ للاسم لا يجاوزه، والرفع قد ينتقل إلى الفعل، فكان هذا أغلب وأقوى" [2] .

لا يتضح مراد سيبويه في قوله:"ولم يجعلوا النصب ألفًا ليكون مثله في الجمع"، ولعل الإشكال يكمن فيما يعود عليه الضمير من"مثله"، إذ يحتمل أن يكون مراد سيبويه: ولم يجعلوا النصب ألفًا للاسم المثنّى لئلا يكون مثل ذلك في الجمع، لأنّ الواو التي هي علامة الرفع في الجمع ستكون عندئذٍ علامةً للرفع والنصب. أو يكون مراده: ولم يجعلوا علامة النصب ألفًا للاسم المثنّى، وإنما جعلوها ياءً حملًا على الجرّ، لأنّه من خصوصيات الاسم بخلاف الرفع، فلم يحملوها عليه، ليكون مثل حمل النصب على الجر في الجمع. وإذا كان الاحتمال الثاني أقوى فإن هذا لا يلغي تعدد الفهم التحليل النحوي، وهو ما يطالعنا به أبو حيان، إذ يذكر أن التفسير الأوّل يقتضي تقدير"لا"النافية التي حذفها سيبويه، وهو يريد معناها، أمّا التفسير الثاني فلا يقتضي ذلك [3] . ثم إن التعدد يحدث أيضًا في عود الضمير من"مثله"كما تبين لنا. إذن وقع التعدد بذلك في تحليل

(1) . انظر فيما قدّمه عبد الكريم جواد كاظم الزّبيدي في مؤلفه:"دراسة نحوية في علاقة بعض المسائل الخلافية بكتاب سيبويه".

(2) . كتاب سيبويه1/ 17.

(3) . تذكرة النحاة ص321، وللمزيد من الاطلاع على هذا النمط انظر: المصدر نفسه ص 320.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت