فهرس الكتاب
فيغني الظاهرة بما لم يكن من قبل إضافة إلى ما كان سابقًا. وقد يكون ما أُضيف قويًّا، فيلغي ما تقدّم أو يضعّف ويرجّح، أو يكون لا يختلف عما قبله من حيث القوّة والضعف، فيبقي وجهًا من الأوجه التي تحتملها الظّاهرة، أو يكون ضعيفًا نابعًا من اجتهاد قاصر، فيبدو مستغربًا مستهجنًا حتى يتلاشى بالنسيان. وقد يولّد الاجتهاد وجهًا فيما لا يحتمل التعدد، فيضيف وجهًا صحيحًا يلغي آخر خاطئًا تقدّمه، أو يحدث خلاف ذلك، فيكون الاجتهاد قاصرًا خاطئًا غايته حبّ الإضافة فيما لا يحتمل التعدد، فيموت الوجه الذي أُضيف مع الأيام، ويبقى ما تقدّمه.
ويبدو أنّ معظم القضايا التي تحتمل التعدد وتقبل الإضافة بالاجتهاد هي تلك التي خرجت على القاعدة، أو التي أدّى إليها التعدد في فهم المعنى، ويلحظ المتتبع أنه بعدما انتهى جمع المادّة وأسّست الأصول وجرّدت معظم القواعد بدأ النحاة يعيدون النّظر في قضايا النحو وشواهده، ولا شك أنّ كلاًّ منهم ينطلق في أثناء ذلك من زادٍ معرفي وانتماء مدرسي يختلف عنه عند غيره، إضافة إلى حبّ التميّز الذي تغذّيه أمور عديدة، فكان أن وقفوا عند كثيرٍ من الشواهد التي خرجت على القاعدة وتحتمل التعدد، فولّدوا أوجهًا جديدة تجيز ما سبقها من أوجه أو ترفضه، فتشعب بذلك التعدد في القضية الواحدة، وكثرت الأسس المعتمدة، وطال الحوار والجدل بالتعليل والأخذ والرّد وغيره. ومن ذلك مثلًا ما جرى في تحليل"ما"من"بئسما"الذي خرج على قاعدة الإسناد، كما في قوله تعالى: [بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِه أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بمَا أَنزَلَ اللَّهُ بغيًا أنْ يُنزّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاُء مِنْ عِبَاده] [1] . عن سيبويه أنّها معرفة تامة في موضع رفع فاعل"بئس"، والتأويل: بئس الشيء [2] . عن الكسائي أنها معرفة ناقصة موصولة في موضع رفع فاعل، والتأويل: بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا [3] . وعنه أيضًا أنها مصدرية، فتكون وصلتها في موضع رفع [4] . وعنه أيضًا أنّ"ما"في موضع نصب على التمييز، وثَمّ"ما"أخرى محذوفة موصولة هي ... المخصوص بالذم، أي بئس
(1) . سورة البقرة، الآية"90".
(2) . البحر المحيط1/ 473.
(3) . المصدر نفسه.
(4) . المصدر نفسه.