فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 49

3-قد يحذف جواب القسم في القرآن ، وهو المقسم عليه ، فينتقل بعد القسم إلى كلام آخر ، لكنه مرتبط بالجواب المحذوف . والسر في هذا أنه يسد على المخاطب المنكر طريق الفرار ، فلا ينتقل من القسم وهو إنشاء ، إلى الجواب وهو خبر ، لئلا يجاري المنكر في الجواب ، ثم ليكون القسم كالتمهيد والتنبيه ، فيسترعي سمع المخاطب ، فيرهف أذنيه ليستمع ما بعد القسم ، فإذا به يسمع ما يؤيد الاستدلال المقصود من القسم نفسه ، كقوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) [1] ، فأقسم بحرف من حروف الهجاء التي يتكون منها القرآن ، على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز ، وأتبعه بالقسم بالقرآن ، وحذف الجواب لدلالة التحدي عليه ، كأنه قال: والقرآن ذي الذكر إنه كلام معجز ، ولكن الكفار استكبروا ولم يذعنوا إليه ، فعارضوا الرسول وكذبوه .

أو كأنه قال: أقسم بالقرآن ذي الشرف العظيم ، إنك لصادق فيما تبلغ عن ربك ، ولكن الكفار استكبروا ولم يذعنوا للحق ، وأصروا على العناد . أو أقسم بالقرآن أن الأمر ليس كما يزعم هؤلاء الكفار ، بل هم في استكبار ومخالفة ، وعداوة لمحمد .

4-إن من مزايا القسم أنه يسهل الجمع بين عدة أدلة في جملة واحدة ، أو في جمل متلاحقة ، كما في سور: التين ، والبلد ، والطور ، والشمس ، والليل ، والفجر ، مع الإيجاز، ولو أن الأدلة فصلت وبسط فيها القول ، لفقد الكلام روعته وتأثيره .

5-يشرك القسم الإستدلالي السامع في استنباط الدليل ، ويخفف من عناده وخصامه ، فيشعر أنه تعرف وتأمل، ولهذا كانت الأساليب الإنشائية كلها أكثر اجتذابا من الأساليب الخبرية . وهذا هو السبب في أن الحاذق اللبق ينوع أساليبه ، ويراوح بين الإنشاء والخبر ، لينشط المخاطب ، ويشركه في الفهم ، والبحث ، والاستنباط ، حتى ليتوهم أنه هو الذي اهتدى إلى الحق بنفسه .

(1) - سورة ص: الآيتان /1، 2 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت