ويقول في موضع آخر:"فقد اتضح إذن اتضاحًا لا يدع للشك مجالًا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلمٌ مفردةٌ، وأن الألفاظ تَثْبُتُ لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أوما أشبه ذلك مما لا تعلُّق له بصريح اللفظ" (41) .
كما ردّ عبد القاهر الجرجاني ادعاء من قال: إنّه لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي وتعديل مزاج الحروف (42) .
وإذا ما نظرنا إلى"المقام"على أنه يمثل"سياق الموقف"وجدنا ذلك أيضا واضحا عند البلاغيين، فهذا عبد القاهر الجرجاني يربط الكلام بمقام استعماله، ومراعاة مقتضى حاله وهو لب دراسة المعنى اللغوي عنده، ومنبثق من نظريته للنظم، وثار على اللغويين العرب؛ لأنهم لم يستفيدوا من مبدأ جيد وضعه سيبويه، مؤداه ربط الكلام بمقام استعماله (43) ، بل وقع في ظنهم أن كل تقديم أو تأخير أو حذف.. إنما هو للعناية والاهتمام كما قال صاحب الكتاب (44) .
وأورد قول النحويين:"إنّ معنى ذلك أنه قد تكون أغراض الناس في فعلٍ ما أن يقع بإنسان بعينه ولا يبالون مَنْ أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعيثُ ويُفسدُ ويكثر في الأذى أنهم يريدون قتله ولا يبالون مَنْ كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء، فإذا قُتل وأراد مريدٌ الإخبار بذلك فإنه يقدِّم ذكر الخارجيّّ فيقول: قَتَلَ الخارجيّ زيدٌ. ولا يقول: قَتَل زيدٌ الخارجيَّ؛ لأنه يعلم... من حالهم أن الذي هم متوقعون له و متطلعون إليه متى يكون وقوع القتل بالخارجي المفسد وأنهم قد كُفُوا شرَّه وتخلصوا منه. ثم قالوا - أي النحاة: فإن كان رجلٌ ليس له بأس ولا يُقَدَّر فيه أنه يَقْتُلُ رجلًا وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدّم ذكر القاتل، فيقول: قَتَل زيدٌ رجلًا، ذاك لأن الذي يعنيه ويعنى الناس من شأن هذا القتل طرافتُه وموضعُ الندرة فيه وبُعدُه كان من الظن" (45) .