ثم علّق على ذلك بقوله:"وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفى أن يقال إنه قُدّم للعناية ولأن ذكره أهم، من غير أن يُذكر من أين كانت تلك العناية وبم كان أهمّ" (46) .وهكذا يدعو"عبد القاهر"إلى عدم تطبيق قاعدة واحدة على كل الحالات، بل لابد من النظر في حال المتكلمين والمستمعين، ومعرفة أسباب العناية وبواعثها.
كما أشار في موضع آخر إلى أن الفاعل قد"يكون له مفعول مقصودٌ قصدُهُ معلوم إلا أنه يحذف من اللفظ لدليل الحال عليه" (47) ، و"نوع منه أن تذكر الفعل وفى نفسك له مفعولٌ مخصوص قد عُلِم مكانه إما لجَرْىِ ذكرٍ أو دليل حالٍ إلا أنك تُنسيه نفسك وتخفيه…" (48) .
ومن النماذج التي تؤكد اهتمام"عبد القاهر"بشقّي السياق في دراسته للتراكيب وما يعتورها من حذف، قوله:"ومما يجب ضبطه هنا أيضا: أنّ الكلام إذا امتنع حمله على ظاهره حتى يدعو إلى تقدير حذف، أو إسقاط مذكور، كان على وجهين:"
أحدهما: أن يكون امتناع تركه على ظاهره، لأمر يرجع إلى غرض المتكلم، ومثاله الآيتان المتقدم تلاوتهما (49) ...
والوجه الثاني: أن يكون امتناع ترك الكلام على ظاهره، ولزوم الحكم بحذفٍ أو زيادةٍ، من أجل الكلام نفسه، لا من حيث غرض المتكلم به، وذلك مثل أن يكون المحذوف أحد جزءي الجملة" (50) . وهكذا يربط"الجرجاني"جميع القرائن النحوية - من تضام أو رتبة أو مطابقة (51) - بمراعاة السياق اللغوي وسياق المقام،وما يتصل بالموقف من ظروف، وبكل ما له علاقة بحال المتكلمين وموضوع الكلام و المخاطبين وما يتصل بمشاعرهم على نحو ما مرّ في مثال"الخارجي"."