وإذا كان مصطلح"مقتضى الحال"يقترب إلى حدّ كبير من مصطلح"سياق الحال"في الدرس اللغوي الحديث ويشترك معه في أهم خاصية، وهى الاهتمام بالجانب الاجتماعي للغة، فإن مصطلح"مقتضى الحال"- بالتعريف السابق الذي ذكره التهانوي - أضيق دلالة من مصطلح"سياق الحال" (52) إذ لابد أن يسبق المقام أو مقتضى الحال المقالَ؛ لأن الكلام يصاغ بمقتضاه، وهذا يختلف عن مفهوم (سياق الموقف) حيث يستعان بعناصره في فهم الكلام بعد إنتاجه وهذا المقال جزء من هذا السياق وليس منفصلا عنه.
ويرى الدكتور كمال بشر: أنّ البلاغيين قد وفقوا في إدراك شيء مهم في الدرس اللغوي وهو المقام، ولكنهم - كعادتهم - طبقوه بطريقتهم الخاصة، لقد كانت عنايتهم في"المقام"موجهة نحو الصحة والخطأ أو نحو الجودة وعدمها. ولهذا كانت نظرتهم إلى المقام أو مجريات الحال أو ما يسميه هو - المسرح اللغوي نظرة معيارية لا وصفية (53) ، وبذلك يختلف المقام عند البلاغيين عن سياق الموقف عند المحدثين.
أضف إلى ذلك أن"المقام عند البلاغيين معيار جمالي، أي يحكم بمراعاته ببلاغة المقال وبعدم مراعاته بعدم البلاغة (54) . وبهذا يكون النحاة أقرب إلى مفهوم"سياق الحال أو الموقف"من البلاغيين."
السياق عند الأصوليين:
اعتمد علماء علوم القرآن والمفسرون في دراسة النص القرآني وفهم دلالته على جانبي السياق:اللغوي الكلي أو ما يسمى"بسياق النص"و"سياق الموقف". إذ نظروا إلى الآية القرآنية أو مجموعة الآيات على أنها جزء من نص متكامل هو القرآن، ومعنى ذلك أنهم لا يعتمدون على السياق اللغوي الجزئي المتمثل في الآية الواحدة أو مجموعة الآيات المعزولة عن سياقها الكلى (55) . واهتموا بعنصر آخر مكمل للسياق اللغوي في النص القرآني وهو القراءات القرآنية، كما أفردوا المؤلفات لعلم الوقف والابتداء وكيفية الوصل والفصل وما يترتب على ذلك من دلالات، وهى من عناصر السياق اللغوي.