الصفحة 9 من 50

انصب اهتمام البلاغيين في دراستهم للسياق على فكرة (مقتضى الحال) والعلاقة بين المقال والمقام.

فأما مصطلح (مقتضى الحال) فقد اهتم به علماء (علم المعاني) ، و (الحال) في اصطلاحهم يعدل (مقتضى الحال) . يقول التهانوي:"والحال في اصطلاح أهل المعاني هي الأمر الداعي إلى المتكلم على وجه مخصوص - أي الداعي إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدى به أصل المعنى خصوصية ما هي المسماة بمقتضى الحال، مثلا كون المخاطب منكرا للحكم حال يقتضى تأكيد الحكم والتأكيد مقتضاها... وعلى هذا النحو قولهم (علم المعاني) علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال - أي يطابق صفة اللفظ مقتضى الحال، وهذا هو المطابق بعبارات القوم حيث يجعلون الحذف والذكر إلى غير ذلك معللَّةً بالأحوال" (38) .

فمن الواضح أن أهل علم المعاني اهتموا بأحوال المتكلم والمستمع، والتعريف يقتضى أن يكون المتكلم على علم بأحوال السامع قبل أن يتكلم؛ حتى يأتي بالكلام على صفة مخصوصة تتطابق مع حال المستمع.

وإذا ما نظرنا إلى"المقال"على أنه يمثل"السياق اللغوي"فإننا نجد أن البلاغيين قد أولوه عناية كبيرة. وليس أدلّ على ذلك من ربط العلاّمة عبد القاهر الجرجاني فصاحة الكلمة بسياقها اللغوي والتركيب الذي قيلت فيه، حيث يقول:"وجملة الأمر أناّ لا نوجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكنّا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلَّقا معناها بمعنى ما يليها. فإذا قلنا في لفظة (اشتعل) من قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا) (39) : إنها في أعلى المرتبة من الفصاحة، لم توجب تلك الفصاحة لها وحدها، ولكن موصولًا بها الرأس معرفا بالألف واللام ومقرونا إليها الشيبُ منكرًّا منصوبا" (40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت