الصفحة 16 من 50

ولقد تعرّض أحد الباحثين (66) إلى دراسة السياق عند النحاة واللغويين، فذكر أن النحاة اعتمدوا - في مرحلة تدوين النحو وتقعيده - على السياق الجزئي المتمثل في الشواهد الشعرية والنثرية المعزولة عن نصوصها، وضربوا صفحا عن النصوص الكاملة الموثوق بها نحو القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وهو منهج لا غبار عليه، إذ كان هدفهم الوصول إلى الصحة النحوية إلا أنه في بعض الأحيان يصبح الاعتماد على السياق الجزئي أمرًا غير موفق؛ لأنه يؤدى إلى فهم غير صحيح. وخَلُص هذا الباحث من دراسته للسياق عند النحاة واللغويين إلى نتائج (67) :

أولها: أن فكرة السياق بشقيه اللغوي وغير اللغوي لم تكن لتمثل نظرية متكاملة المعالم في الدرس النحوي، كما هي الآن في الدراسات اللغوية الحديثة، ومع ذلك فإننا لانعدم وجود إشارات ذكية ومتقدمة،غير أنها متناثرة في دراساتهم وبحوثهم، ولم تجمع في إطار نظري موحد.

ثانيها: أن النحاة اعتمدوا على السياق اللغوي بمعناه الضيق المتمثل في الشاهد النحوي أو التركيب في بيان الوظيفة النحوية، وعند تعذر ظهور العلامة الإعرابية اعتمدوا على قرائن أخرى تشير إلى تلك الوظيفة. مع عدم إغفال أنّ بعض النحاة اهتموا بسياق النص - بالمفهوم الحديث، ومنهم الفراء (ت 207 هـ) الذي عدّ القرآن نصا واحدًا، ونظر إلى القراءة القرآنية على أنها جزء من سياق النص، ويتمثل هذا أيضا في ابن السيد (ت521 هـ) الذي درس شواهد أدب الكاتب المفردة من خلال إعادتها إلى نصها.

ثالثها: أنّ النحاة واللغويين عرفوا ما يسمى في الدراسات الحديثة بسياق الموقف، و أطلقوا عليه"الحال"أو"الحال المشاهدة"، وكانت لهم في هذا الجانب إسهامات واضحة حيث تحدثوا عن أطراف الموقف اللغوي - متكلم ومخاطب، وموضوع الحديث، والعلاقة المعرفية بينهما. وبناء على ذلك، فإن"دلالة الحال"عند النحاة تكاد تقترب من مفهوم"سياق الموقف"في الدراسات الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت