الصفحة 17 من 50

ولكن ما ذهب إليه هذا الباحث قد يكون فيه غبن للنحاة الأوائل وبخاصة إذا تأملنا آراء الخليل بن أحمد (ت 175 هـ) - كما يتضح من كتاب تلميذه سيبويه - حيث يتضح منها أنه من أوائل النحاة الذين اعتمدوا على السياق اللغوي في دراسته للتراكيب النحوية، كما يعتبر من الرواد الذين اهتموا بعناصر سياق الموقف المتمثلة في المتكلم والمخاطب والعلاقة بينهما، وعلم المخاطب بالمعنى إلى غير ذلك مما يرتبط بالمقام.

فمن أمثلة اعتماد الخليل على"السياق اللغوي"ما نسبه إليه تلميذه في معرض تحليله لقول الشاعر (68) :

إذا تَغَنَّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَني ولو تغرَّبتُ عنها أُمَّ عَمّارِ [ البسيط ]

"قال الخليل رحمه الله: لماّ قال (هيجّني) عرف أنّه قد كان ثَمَّ تذكُّرٌ لتَذكرةِ الحمام و تهييجه، فألقى ذلك الذي قد عُرف منه على (أمّ عمّارٍ) ، كأنه قال: هيجني فذكّرني أمّ عمّارٍ. ومثل ذلك أيضا قول الخليل رحمه الله، وهو قول أبى عمرو: ألا رجلَ إماّ زيدًا وإما عمرا؛ لأنه حين قال: (ألا رجلَ) ، فهو متمنٍ شيئا يسأله ويريده، فكأنه قال: اللهمَّ اجعله زيدًا أو عمرًا، أو وفِّقْ لي زيدا أو عمرًا" (69) .

ومعنى كلام الخليل، أن الشاعر إنما نصب (أم عمار) بفعل دلّ عليه السياق اللغوي (أو سياق الموقف) ، وذلك عند توجيه النصب في قولك: انْتَهِ خيرًا لك (70) ، فيقول:"نصبته؛ لأنك قد عرفت أنك إذا قلت له: (انته) ، أنك تحمله على أمرٍ آخر، فلذلك انتصب، وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أنه محمولٌ على أمرٍ حين قال له: انته، فصار بدلًا من قوله: ائت خيرا لك، وادخل فيما هو خيرٌ لك" (71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت