وهكذا، فإن هذه الأمثلة الواردة عن الخليل وغيرها (82) ، لا تدع مجالا للشك في أن الخليل اعتمد اعتمادًا واضحا على السياق اللغوي وغير اللغوي في تقعيده النحوي وبيان مبنى التراكيب ودلالاتها. وإذا كان الخليل - في هذه الفترة المبكرة من التقعيد النحوي - قد استخدم السياق بشقّيه في بيان دلالة التراكيب على هذا النحو العلمي المبهر، فمن الطبيعي أن يستفيد النحاة من بعده بهذه النظرات الثاقبة، وهذا ما سيتضح بجلاء عند سيبويه.
فقد أولى سيبويه (ت 180 هـ) كلا من (السياق اللغوي) و (سياق الحال) اهتماما كبيرا وسأعمد فيما يلي إلى بيان بعض عناصر السياق اللغوي وسياق الحال عنده، مع بيان أثر هذين السياقين في مباني التراكيب، من حيث الذكر والحذف، أو التقديم والتأخير، أو التوجيه النحوي والحكم بصحة التركيب أو إحالته.
يتضح ذلك من استعانته"بالسياق اللغوي"بكثرة في بيان أحد العناصر المحذوفة في التركيب، فمن ذلك الاستغناء عن تكرار (كلّ) في قول الشاعر:
أكُلَّ امرئٍ تحسبين امرأً ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا [ المتقارب ]
بجر (نارٍ) والتقدير (وكلَّ نارٍ) وذلك:"لذكرك إياه في أوّل الكلام، ولقلة التباسه على المخاطب" (83) .
فقد اعتمد على عنصر لغوى ذُُكر في جملة سابقة للدلالة على العنصر المحذوف في الجملة الثانية، وجعل ذكر العنصر الأول سببا في عدم التباس المعنى على المخاطب.
ومن ذلك قوله عزّ وجلّ: ("بل مِلّةَ إبراهيمَ حنيفا"(84) ،"أي: بل نتَّبع ملّة إبراهيم حنيفا، كأن قيل لهم: اتّبعوا، حين قيل لهم: (كونوا هودًا أو نصارى) " (85) ،"ومما ينصب أيضا على إضمار الفعل المستعمل إظهاره، قول العرب: حَدَّث فلانٌ بكذا وكذا، فتقول: صادقًا والله. أو أَ نشدك شعرا فتقول: صادقًا والله، أي: قاله صادقًا؛ لأنك إذا أنشدك فكأنه قد قال كذا" (86) ، أي أنّ السياق اللغوي المذكور قبله دلّ على الفعل المحذوف.