ومنه قوله تعالى:"والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم كتاب اللهِ عليكم" (87) ؛ لأنه"لماّ قال:"حُرِّمتْ عليكم أمهاتُكم" (88) حتى انقضى الكلام، عَلِم المخاطبون أنّ هذا مكتوبٌ عليهم، مثبَّت عليهم، وقال (كتابَ اللهِ) توكيدا، كما قال: (صنعَ الله) ، و كذلك: (وَعْدَ الله) " (89) .
وإذا كان من السياق اللغوي النظر إلى طريقة ترتيب العناصر اللغوية داخل التركيب وما يترتب على ذلك من دلالات، فلقد أولى سيبويه هذا الترتيب عناية كبيرة واهتماما واسعا. ويفهم من كلامه أنّ التقديم على ضربين: ضرب يكون المقدَّم فيه على نية التأخير، وذلك إذا أبقيت المقدَّم على حكمه الإعرابي الذي كان عليه قبل التقديم، كتقديم المفعول على الفاعل في نحو: ضرب عمرا زيدٌ، وتقديم الخبر على المبتدأ في نحو: منطلقٌ زيد. وضرب آخر لا يكون على نية التأخير، وإنما ينتقل المقدَّم من حكم إلى حكم ومن باب إلى آخر، ومثال ذلك أن صفة النكرة إذا تقدمت على الموصوف تحولت إلى الحال، وذلك قولك: هذا قائما رجلٌ. ومن ثم يقبح أيضا أن تقول: قائمٌ زيدٌ،إذا لم تجعل الخبر (وهو قائم) على نية التأخير؛ لأن حدّ الجملة الاسمية أن يتقدم ما هو بالابتداء أولى، وهو المعرفة (90) .
يقول سيبويه عن قولك: (ضرب عبدُ الله زيدًا) :"فإن قدّمت المفعول وأخرت الفاعل جرى اللفظ كما جرى في الأول، وذلك قولك: ضرب زيدًا عبدُ الله؛ لأنك إنما أردت به مؤخرًا ما أردت به مقدما، ولم ترد أن تشغل الفعل بأوّلَ منه وإن كان مؤخرا في اللفظ. فمن ثم كان حدّ اللفظ أن يكون فيه مقدّما، وهو عربّي جيد كثير، كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهمُّ لهم وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم" (91) .