الصفحة 21 من 50

فهو في هذا النص يعتمد على دلالة العلامة الإعرابية في بيانها للفاعل والمفعول حتى مع التقديم والتأخير فقد لاحظ أن المعنى النحوي لزيد وعبد الله غير مختلف في كلتا الجملتين، وهذا يتضح من قوله: (جرى اللفظ كما جرى في الأول) ، أي رفعت الفاعل (عبدُ الله) مع التأخير، ونصبت المفعول (زيدًا) مع التقديم، وهذه العلامة الإعرابية من عناصر السياق اللغوي الدالة على الفاعل والمفعول في مثل هذه الجمل التي خالفت الرتبة الأصلية. ثم يربط سيبويه هذا التقديم بإرادة المتكلم - أو العرب؛ لأنك إنما أردت بالفاعل المؤخر ما أردت به مقدمًا، ولم ترد أن تشغل الفعل بالمفعول وإن كان الفاعل مؤخرا في اللفظ، وهذا التقديم عربي جيد، بل كثير؛ لأن العرب تقدم الذي بيانه أهم وأعنى لهم، فقد اكتسبوا من ذلك ضربا من التوسع في الكلام.

ويؤكد على دلالة العلامة الإعرابية وتفريقها بين نائب الفاعل والمفعول، فيما بني للمفعول من الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، نحو: (كُسِيَ عبدُ الله الثوبَ) و (أُعطىَ عبدُ الله المالَ) ، فقد"انتصبَ الثوب والمال؛ لأنهما مفعولان تعدى إليهما فعل مفعولٍ هو بمنزلة الفاعل. وإن شئت قدّمت وأخرت، فقلت: كُسِيَ الثوبَ زيدٌ، وأُعطِىَ المالَ عبدُ الله،كما قلت: ضرب زيدا عبدُ الله. فأمره في هذا - أي أمر نائب الفاعل في التقديم والتأخير - كأمر الفاعل" (92) .

ويتضح مما سبق أنّ ترتيب العناصر اللغوية داخل التركيب وما يطرأ عليه من تقديم أحد العنصرين على الآخر لا يسوّغه فقط السياق اللغوي، إنما يرجع ذلك أحيانا إلى سياق الحال والعوامل الخارجية التي تحيط بالحدث اللغوي، كالمتكلم وموقفه من العنصرين وتقديمه لما يراه محلّ العناية والاهتمام، وهو ما يظهر في عبارته المشهورة: (كأنهم إنما يقدّمون الذي بيانه أهمُّ لهم وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت