الصفحة 22 من 50

وهكذا تنبّه سيبويه إلى أثر المتغيرات الخارجية في ترتيب عناصر الجملة، وكأنه يرسم بذلك لأبناء اللغة أن يساقوا بين هذه المتغيرات والوجوه الجائزة المناسبة عند استعمال اللغة (93) .

ويؤكد سيبويه على دور العناية والاهتمام في تقديم المفعول على الفعل كذلك، فيقول:"وإن قدّمت الاسم فهو عربي جيد، كما كان ذلك (94) عربيا جيّدا، وذلك قولك: زيدًا ضربتُ، والاهتمامُ والعناية هنا في التقديم والتأخير سواءٌ، مثلُه في: ضرب زيدٌ عمرًا، وضرب عمرًا زيد" (95) .

ويبدو أنّ ابن جني لم يأخذ بالعلة التي ذكرها سيبويه بشأن التقديم والتأخير، بل ذهب إلى"أنّ المفعول قد شاع عنهم واطّرد من مذاهبهم كثرةُ تقدّمه على الفاعل، حتى دعا ذاك أبا علىّ إلى أنْ قال: إنّ تقدّم المفعول على الفاعل قسم قائم برأسه، كما أن تقدّم الفاعل قسم أيضا قائم برأسه، وإن كان تقديم الفاعل أكثر، وقد جاء به الاستعمال مجيئا واسعا" (96) ، أي أن المفعول لم يتقدّم للعناية والاهتمام به، وإنما"يصير تقديم المفعول لمّا استمرّ وكثر كأنه هو الأصل، وتأخير الفاعل كأنه أيضا هو الأصل" (97) . ولعل ابن جني وأستاذه أبا على الفارسّي لمّا ذهبا إلى هذا الرأي إنما قصدا ذلك التقديم الذي لا يقتضى المقام حصوله (98) ، بخلاف التقديم الذي نبّه إليه سيبويه، والقائم على ما في نفس المتكلم من معنى وما هو أهم لديه وهو به أعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت