الصفحة 23 من 50

ويظهر أيضا أنّ عبد القاهر الجرجاني لم يستحسن علّة العناية والاهتمام التي جعلها سيبويه سرّ التقديم في التراكيب، فقال:"واعلم أنّا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجرى مجرى الأصل غير العناية والاهتمام. قال صاحب الكتاب وهو يذكر الفاعل والمفعول: (كأنهم يقدّمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعنى وإنْ كانا جميعا يُهمّانهم ويعنيانهم) ، ولم يذكر في ذلك مثالًا … فهذا جيدٌ بالغ، إلا أنّ الشأن فيّ أنه ينبغي أن يُعرف في كلِّ شيءٍ قُدّم في موضع من الكلام مثلُ هذا المعنى ويفسّر وجهُ العناية فيه هذا التفسير.وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفى أن يقال إنه قُدّم للعناية ولأنّ ذكره أهم، من غير أن يُذكر من أين كانت تلك العناية وبِمَ كان أهمّ.ولتخليهم ذلك قد صَغُر أمرُ التقديم والتأخير في نفوسهم وهوّنوا الخطب فيه حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضربا من التكلّف" (99) .

والحق أنني لا أرى وجها لما قاله الإمام عبد القاهر من أنّ سيبويه (لم يذكر في ذلك مثالًا) ؛ لأنه إنْ قصد أنّ سيبويه لم يذكر شاهدا للعناية والاهتمام، فهذا مردود بما ذكرته من أمثلة وشواهد كثيرة أرجع فيها سيبويه التقديم والتأخير إلى ما لدى المتكلم من العناية والاهتمام، فإنّ عبد القاهر نفسه لم يقدّم لنا تفسيرا إلا بما نقله عن النحاة باعترافه (100) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت