الصفحة 24 من 50

يضاف إلى ذلك أنّ سيبويه لم يكتف بالاعتماد على العناية والاهتمام ناسبا إليها كل ما يعرض له من تقديم أو تأخير، وإنما تعدّى ذلك إلى شرح ملابسات الحال المصاحبة التي تفسّر وجه العناية ومحل الاهتمام كما ظهر في الأمثلة السابقة. وهو ما يظهر أيضا في باب الأفعال التي تُستعمل وتُلغى، وهى (ظنّ) وأخواتها من الأفعال القلبية المتصرّفة، فإنْ ألغيت كان تأخير هذه الأفعال أقوى من تقديمها، تقول: عبدُ الله أظنُّ ذاهبٌ، وهذا إدخالُ أخوك، وفيها أُرَى أبوك. ويعلل سيبويه هذا التأخير بقوله:"وإنما كان التأخير أقوى لأنه إنما يجيء بالشكّ بعدما يمضى كلامه على اليقين، أو بعد ما يبتدئ وهو يريد اليقين ثم يدركه الشكّ،كما تقول: عبدُ الله صاحب ذاك بلغني، وكما قال: مَنْ يقول ذاك تدرى؟، فأخر ما لم يعمل في أوّل كلامه (101) . وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعد ما مضى كلامه على اليقين، وفيما يدري" (102) . يعنى أنّ تأخير الفعل أقوى ههنا لأن المتكلم يبتدئ كلامه وليس في قلبه منه شك، فإذا مضى كلّه أو بعضه على لفظ اليقين لحقه فيه الشك (103) .

ويؤكد سيبويه العلاقة بين التقديم والتأخير وما في نفس المتكلم من يقين أو شك في هذا الباب فيقول:"فإذا ابتدأ كلامه على ما في نيّته من الشكّ أعمل الفعل قدّم أو أخّر" (104) ، أي أنّه إذا كان في نيته الشك من ابتداء الكلام أعمل الفعل سواء قدّمه أو أخره، فيقول: ظننت زيدا قائما، وزيدا ظننت قائما، وزيدا قائما ظننت. وهكذا يظهر أنّ التقديم والتأخير في هذا الباب ليس للعناية والاهتمام كالموضع السابق في تقديم المفعول على الفاعل أو الفعل، وإنما تأخير الفعل هنا لعامل نفسّي طرأ على المتكلم أثناء كلامه وحوّل يقينه إلى شك (105) ، فألزمه ذلك المعنى أن يورد كلامه على ما كان في نفسه من يقين أولًا. فلما كان في نفسه الشك من البداية جاز أنْ يورد ألفاظه على أي وجه شاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت