الصفحة 26 من 50

فأما الوقف فقد اعتمد عليه سيبويه في توجيه المعنى على مستوى التركيب، وجعله ضابطا لصحة التركيب فمن ذلك قوله:"واعلم أنه يقبح: زيدًا عليك، وزيدًا حَذَرَك؛ لأنه ليس من أمثلة الفعل، فقبح أن يجرى ما ليس من الأمثلة مجراها، إلاّ أنْ تقول: (زيدًا) ، فتنصبَ بإضمارك الفعل، ثم تذكرُ (عليك) بعد ذلك" (111) .

(فعليك) اسم فعل أمر يتعدى إلى مأمور به، و (حَذَرَك) اسم فعل يدل على النهى ويتعدى أيضا إلى المنهي عنه، ولكنهما لا يتصرفان تصرف الفعل، ولذلك قبُح عند سيبويه تقديم معموله عليه في نحو (زيدًا عليك) و (زيدًا حَذَرَك) . إلاّ أنه وجد وجها لجواز ذلك مستعينا بظاهرة الوقف، إذ تقول (زيدًا) و تنصبه على إضمار فعل الإغراء أو الاختصاص، ثم تقول بعد وقفة: (عليك) للبيان. وهكذا أسهم الوقف في صحة التركيب وبيان معناه.

ويبرز الوقف أيضا بوصفه عنصرا من العناصر الصوتية في السياق اللغوي، وذلك في قول سيبويه:"وسألته - أي الخليل - عن قوله عز وجل:"وما يُشْعِرُكُم إنها إذا جاءت لا يؤمنون" (112) ، ما منعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعلُ؟ فقال: لا يحسن ذا في ذا الموضع، إنما قال: (وما يشعركم) ، ثم ابتدأ فأوجب فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) . ولو قال: (وما يشعركم أنَّها إذا جاءت لا يؤمنون) ، كان ذلك عذرًا لهم" (113) .

وإنما كره أن يجعل (أنّها) في صلة يشعركم؛ لأنه يصير عذرا لهم، ألا ترى أنه لو قال لك قائل في رجل يقرأ شيئا: إنه لا يفهم ما يقرأ،فقلت: ما يدريك أنه لا يفهم، لكان ذلك عذرًا للقارئ - أي أنه يفهم، وكذلك قوله تعالى:"وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون"بفتح الهمزة؛ لأن التقدير: (ما يدريكم أنهم لا يؤمنون إذا جاءت) أي: لو جاءت لآمنوا، وليس معنى الآية على هذا (114) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت