فهرس الكتاب
ويعتمد سيبويه على ما يسميه الاجتهاد أو الاحتلاط أو الترنم (118) - في أبواب الندبة و الاستغاثة والتعجب أيضا، مما يذكرنا بمصطلحات ابن جني الواردة في النص السابق كالتطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم، يقول سيبويه:"وأما المستغاث به (فيا) لازمةٌ له؛ لأنه يجتهد: فكذلك المتعجب منه، وذلك: يا للناس، ويا للماء. وإنّما اجتهد؛ لأن المستغاث عندهم متراخٍ أو غافلٌ والمتعجَّب كذلك. والندبة يلزمها (يا) و (وا) ؛ لأنهم يحتلطون ويدعون ما قد فات وبعُد عنهم. ومع ذلك أن الندبة كأنهم يترنّمون فيها، فمن ثم ألزموها المدّ، وألحقوا آخر الاسم المدّ مبالغة في الترنم" (119) .
فهو في النص السابق يجعل المستغيث والمتعجِّب باذلًا وُسْعَه و المجهود في إطالة الصوت؛ لأن المستغاث به والمتعجب منه متراخٍ أو غافلٌ، فيحتاج لتنبيهه إلى إطالة الصوت بأداة النداء (يا) ، فهي لازمةٌ له ولا يجوز حذفها كما هو الحال في باب النداء. أما الندبة فجعلها موضعا للاجتهاد في إطالة ورفع الصوت؛ لأن المندوب فائت بعيد، كما جعلها موضعا للتطريب والتغنِّي والتحسين في الصوت؛ فألزمها (يا) أو (وا) في أولها وألفا في آخرها.
ولا شك أن كلاًّ من الاجتهاد والاحتلاط والتَّرنُّم ضرب من ضروب التنغيم أو التلوين الصوتي عند الأداء الفعلي للكلمة أو التركيب.
وهكذا يتبين للناظر في مثل هذه الأمثلة والنصوص أن النظام اللغوي والاستعمال السياقيّ جميعا في اللغة العربية يستخدمان التشكيل الصوتي في التمييز بين المعاني النحوية، فيُعلم به المندوب وغير المندوب (120) … إلخ.
وكما اهتم سيبويه بجميع عناصر السياق اللغوي فقد اهتم أيضا بعناصر السياق غير اللغوي، أو (الحال) كما يسميه بنفسه (121) ، كالمتكلم والمخاطب والعلاقة بينهما وموضوع الكلام وأثر الكلام والحركة الجسمية المصاحبة للحدث الكلامي وغير ذلك من العناصر غير اللغوية المصاحبة للكلام المنطوق.