فهرس الكتاب
فمن أمثلة اهتمامه ببيان العلاقة بين المتكلم والمخاطب، وما ينتظره المخاطب من المتكلم، أنّ المتكلم إذا قال: (كان زيدٌ) فإن المخاطب"إنما ينتظر الخبر" (122) ، وإذا قال المتكلم: (كان حليما) "فإنما ينتظر - أي المخاطب - أن تعرّفه صاحب الصفة" (123) .
ويحمل سيبويه كلام المجيب على كلام المستفهِم، فللمسئولِ أن يورد الجواب على منهاج الاستفهام، فإذا قال"الرجل: من رأيت وأيَّهم رأيت، فتقول: زيدًا رأيته … ومثل ذلك قولك: أرأيت زيدا، فتقول: لا ولكنْ عمرًا مررتُ به … فإن قال: من رأيته وأيُّهم رأيته، فأجبته قلت: زيدٌ رأيتُه … فإنما تحمل الاسم على ما يحملُ السائلُ" (124) ، بل إنه في موضع آخر يبين أن الجواب من المخاطب يكون على قدر ما فهمه من مسألة السائل، فهو يجيب على ما عنده من معنى، فإذا قال المجيب: مررتُ برجلين مسلمٍ وكافرٍ، وجعل
(مسلمٍ وكافرٍ) بدلًا، فكأنه"أجاب من قال: بأيِّ ضربٍ مررت؟ وإن شاء رفع،كأنه أجاب من قال: فما هما؟ فالكلام على هذا وإن لم يلفظ به المخاطب؛ لأنه إنما يَجْرِى كلامُه - أي جوابه - على قدر مسألتك عنده لو سألته" (125) .
كما أولى سيبويه موضوع الكلام - أو ما يطلق عليه مضمون الرسالة - اهتماما واضحا، ويبدو هذا من قوله:"واعلم أنه ليس كلُّ موضع يجوز فيه التعظيم، ولا كلُّ صفة يحسن أن يعظَّم بها. لو قلت: مررتُ بعبد الله أخيك صاحب الثياب أو البزّاز،لم يكن هذا مما يعظم به الرجلُ عند الناس ولا يفخّم به. وأما الموضع الذي لا يجوز فيه التعظيم فأنْ تذكرَ رجلًا ليس بنبيهٍ عند الناس، ولا معروفٍ بالتعظيم ثم تعظّمَه كما تعظّم النبيه. وذلك قولك: مررت بعبد الله الصالحَ."
فإن قلت: مررت بقومك الكرامِ الصالحين، ثم قلت: المطعمين في المَحْلِ (126) ، جاز لأنه إذا وصفهم صاروا بمنزلة مَنْ قد عُرِف منهم ذلك، وجاز له أنْ يجعلهم كأنهم عُلِمُوا. فاستحسن من هذا ما استحسن العرب، وأحزْهُ كما أجازته.