الصفحة 30 من 50

وليس كلُّ شيء من الكلام يكون تعظيما لله عز وجل يكون تعظيما لغيره من المخلوقين، لو قلت: الحمدُ لزيد، تريد العظمة لم يجز، وكان عظيما. وقد يجوز أن تقول: مررت بقومك الكرامَ، إذا جعلت المخاطب كأنه قد عرفهم" (127) ."

وهكذا يشير سيبويه في هذا النص المهم إلى مسألتين (128) :

إحداهما: تتعلق بمضمون الرسالة، إذ لابد أن تكون الصفةُ التي يُعَظَّم بها صفةَ مدحٍ و ثناءٍ ورِفْعَة،أو أنْ تكون هذه الصفة مما يليق وقوعها على الممدوح، ومن ثَمَّ لم يُجز: (مررت بعبد الله أخيك صاحبَ الثياب أو البَزَّازَ) ؛ لأن وصفه بقوله (صاحبَ الثياب أو البزّازَ) ليست من الصفات التي يتم التعظيم والمدح بها، كما لم يُجِز: (الحمدُ لزيدٍ) إذا أراد (العظمةُ لزيدٍ) ؛لأن هذه الصفة لا تليق إلا بالله، ولو وصفت بها المخلوقين كان غيرَ مغتفر. وهكذا سجّل سيبويه تخصيص تراكيب معلومة، بتوجيه ديني خالص، ولقد نفذ إلى ذلك من خلال المراوحة الغنية بين النظر في الأنماط اللغوية والمواقف الدينية، والحكم على التركيب بناء على ذلك (129) .

المسألة الثانية: أن يكون المعظَّمُ قد عرفه المخاطب وعَلِم فضله، وذلك إما بأنْ يشتهر عنده ما عُظِّمَ به، نحو (مررتُ بعبد الله الصالحَ) إذا كان عبد الله مشتهرا بالصلاح عند المخاطب قبل التعظيم والمدح.

أو أنْ يرد من السياق اللغوي ما يدل على فضل المعظَّم فيعرفه المخاطب، وذلك نحو قولك: (مررتُ بقومك الكرام الصالحين) ، ثم يمدح بعد ذلك بقوله (المطعمين في المَحْلِ) ؛ لأنه قد تقدّم من كلام المتكلم ما يتقرر به عند المخاطب حال مدحٍ وثناءٍ وتشريفٍ في المذكور. ومنه في الشتم والذمّ قول الفرزدق:

كم عمّة لك يا جريرُ و خالةٍ فَدْعاءَ قد حَلَبَتْ علىَّ عِشارِي

شَغَّارةً تَقِذُ الفصيلَ برجلها فطّارةً لقوادِمِ الأبكار [الكامل]

فنصب (شغّارةً) و (فطّارةً) على الذم و"جعله شتمًا، و كأنه حين ذكر (الحلبَ) صار من يخاطب عنده عالما بذلك" (130) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت