الصفحة 31 من 50

أو أنْ ينزِّل المتكلم المخاطب منزلة من عرف فضل المعظَّم، فيقول: (مررت بقومك الكرامَ) ؛ كأنه قد عرفهم وإنْ لم يعرفهم.

كما استعان سيبويه بغرض المتكلم وإرادته في التوجيه النحوي، مما يترك أثره على شكل التركيب،فيقول:"وأما قولهم: مَنْ ذا خيرٌ منك؛ لأنك لم ترد أن تشير أو تومئ إلى إنسان قد استبان لك فضله على المسئول فيُعَلِمَكَه، ولكنك أردت: مَنْ ذا الذي هو أفضلُ منك. فإن أومأت إلى إنسان قد استبان لك فضله عليه، فأردت أن يعلمكه نصبت خيرًا منك، كما قلت: مَنْ ذا قائمًا، كأنك قلت: إنما أريد أن أسألك عن هذا الذي قد صار في حالٍ قد فضلَكَ بها" (131) فرفع (خيرٌ منك) في قولك: (مَنْ ذا خيرٌ منك) إنما كان؛ لأن غرض المتكلم إنكار أن يكون أحدٌ خيرا منه، كقولك: (من ذا أرفعُ من الخليفة) (132) فجعل (ذا) بمعنى (الذي) ، والتقدير: (من الذي هو خيرٌ منك) ، وأما نصب (خيرا منك) ، فعلى إرادة المتكلم معنى الاستفهام كأنه عندما قال (من ذا خيرًا منك) يستفهم عن هذا الذي صار أفضلَ منك، وينصب (خيرًا منك) على الحال الذي صار فيها المسئول عنه. (133)

ويهتم سيبويه ببيان الحال المصاحبة للتركيب، أو ما يسمى بملابسات"المسرح اللغوي" (134) ، وما يترتب على ذلك من المفاضلة بين التراكيب، أو الحكم على العبارة بالحسن أو الإحالة الدلالية، كما في قوله:"وذلك أن رجلا من إخوانك ومعرفتِك لو أراد أن يخبرك عن نفسه أو عن غيره بأمر فقال: أنا عبدُ الله منطلقا،وهو زيدٌ منطلقا، كان محالًا؛ لأنه إنما أراد أن يخبرك بالانطلاق، ولم يقل هو ولا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية، لأن هو وأنا علامتان للمضمر إذا علم أنّك قد عرفت من يعنى. إلا أنّ رجلًا لو كان خلف حائط، أو في موضعٍ تجهله فيه، فقلت: مَنْ أنت؟ فقال: أنا عبدُ الله منطلقا في حاجتك، كان حسنا" (135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت