الصفحة 32 من 50

فإنما حكم سيبويه على التركيب (أنا عبدُ الله منطلقا) و (هو زيدٌ منطلقا) بالإحالة - على الرغم من أنه من وجهة النظر النحوية صحيح - استنادا على ما أراده المتكلم من معنى؛ لأنه إنما أراد أن يخبرك عن نفسه أو غيره بالانطلاق، فكان حقه أن يقول (أنا منطلق) و (هو منطلق) ، ولأنك لا تضمر فتقول (أنا) أو (هو) حتى تكون معروفا، فتستغني عن قولك (عبد الله) أو (زيد) . في حين حكم على التركيب نفسه (أنا عبد الله منطلقًا في حاجتك) بالحسن استنادا إلى ملابسات المسرح اللغوي المصاحبة للتركيب؛لأن المتكلم ينادى رجلًا خلف حائط فهو يجهله أو يجهل مكانه فمن ثَمّ أفاد قوله (أنا عبد الله) ثُمّ بيّن حاله.

وهكذا نجد سيبويه ينظر إلى الجملة الواحدة فيحكم عليها في موقف من الاستعمال بأنها خطأ وفى موقف من الاستعمال آخر بأنها صواب، وهذه الجملة لو اكتفى بالنظرة الشكلية الذاتية، جملة نحوية جائزة، ولكن اللغة عنده لم تكن تنفك عن ملابسات استعمالها، ومقاييس اللغة عنده تُستمد من معطيات النظام الداخلي للبناء اللغوي كما تستمد أيضا من معطيات السياق الاجتماعي التي تكتنف الاستعمال اللغوي، فالتعبير واحد ولكن الذي اختلف هو السياق الملابس للكلام (136) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت