الصفحة 33 من 50

كما يبدو بجلاء من المثال السابق اهتمام سيبويه في كتابه بالأساليب والتراكيب العربية، مما جعله يلقى باللوم على النحويين الذين كانوا يتهاونون بقيمة الاختلاف في الأساليب إذا ظهر عندهم الإعراب (137) ، ففي معرض تفريقه بين الحال المؤسسة في نحو (هذا عبدُ الله منطلقا) "والمعنى أنك تريد أن تنبِّهه له منطلقا، لا تريد أن تعرِّفه عبد الله لأنك ظننت أنه يجهله" (138) والحال المؤكدة في نحو (هو زيدٌ معروفًا) ،"وذلك أنك ذكرت للمخاطب إنسانا كان يجهله أو ظننت أنه يجهله... والمعنى أنك أردت أن توضح أنّ المذكور زيدٌ حين قلت معروفا، ولا يجوز أن تذكر في هذا الموضع إلا ما أشبه المعروف؛ لأنه يعرِّفُ ويؤكِّد، فلو ذكر الانطلاق كان غير جائز؛ لأن الانطلاق لا يوضحُ أنه زيدٌ ولا يؤكدِّه" (139) . ثم يقول بعد بيانه للفرق الدلالي بين الحال المؤسسة والحال المؤكدة اعتمادا على غرض المتكلم وما في نفسه من معنى:"وإنما ذكر الخليل رحمه الله هذا لتعرف ما يحال منه وما يحسن، فإن النحويين مما يتهاونون بالخلف إذا عرفوا الإعراب" (140) ، ويؤكد هذا المعنى عند تقبيحه لقولك (مررتُ قائمًا برجلٍ) لأن الحال تقدمت على صاحبها والعامل فيه، فلو قلت (مررت بقائمًا رجلٍ) كان أخبث؛ لأنه لا يُفصل بين الجار والمجرور، ثم يقول:"فهذا كلامٌ قبيح ضعيف، فاعرف قبحه، فإنّ إعرابه يسير … ولكنّ معرفةَ قبحه أمثلُ من إعرابه" (141) .

فكأن هذه إشارة من سيبويه إلى بعض النحاة المعياريين الذين لا يهتمون إلا بالإعراب ولا ينظرون إلى المعنى والدلالة، بل قل يهتمون بالتركيب وصحته دون النظر إلى الدلالة و الملابسات الحالية والمقامية التي تحيط بالعبارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت