فهرس الكتاب
وأما عن علاقة سياق الحال عند سيبويه بقرينة التضام، وتسويغه لحذف أحد عناصر الجملة، فهذا مما كثرت أمثلته عنده. والحق أن إشارات سيبويه الذكية والرائدة في هذا الباب تجعله سبَّاقا لأحدث الاتجاهات اللغوية في زماننا، إذ لم تفته العنايةُ بأثر الحركة الجسمية و عناصر الموقف المستمدة من الحواس الخمسة في بنية التركيب ودلالته، من حيث حذف أحد عناصر التركيب استنادا إلى تلك العناصر الحالية. وهو ما ينجلي من المثال التالي:
أجاز سيبويه حذف الكاف من اسم الفعل (رويدك) ،"استغناءً بعلم المخاطب أنه لا يعنى غيره" (142) ، والمعروف أن (الكاف) إنما تلحق (رويدا) "لتبيّن المخاطب المخصوص؛ لأن (رُوَيْدَ) تقع للواحد والجميع، والمذكّر والأنثى، فإنما أدخل الكاف حين خاف التباس من يعنى بمن لا يعنى" (143) . وهكذا التفت سيبويه إلى أنّ لموقف الخطاب حالات متباينة، وتنبّه إلى أنّ العبارة اللغوية تتباين على قدر ذلك. فإذا كنت تستمهل رجلًا على حِدَتِه رأيته يعالج شيئا قلت: رويدًا، أما إذا كنت تستمهل رجلًا في جماعة، فإنك تقول رويدكَ،وكذلك إذا كنت تستمهل امرأة في جماعة فإنك تقول: رويدكِ.. إلخ (144) .
ثم يستطرد سيبويه فيقول:"فلحاق الكاف، كقولك: يا فلان، للرجل حتى يقبل عليك، وتركها كقولك للرجل: أنت تفعل، إذا كان مقبلًا عليك بوجهه منصتا لك. فتركت: يا فلان، حين قلت: أنت تفعل؛ استغناءً بإقباله عليك. وقد تقول أيضا: رويدك، لمن لا يُخاف أن يلتبس بسواه، توكيدا، كما تقول للمقبل عليك المنصت لك: أنت تفعل ذاك يا فلان، توكيدا" (145) .
فلقد جعل سيبويه إقبال المخاطب بوجهه وإنصاته إليك مسوّغًا لحذف الكاف من (رويدك) لأن حاله يغنى عن لحاق الضمير به، وشبهه بحذف حرف النداء اكتفاءً بإقبال المنادى عليك فتقول له (أنت تفعل) وتستغني عن قولك: (يا فلان) .