فهرس الكتاب
فإن علم المخاطب أنه المعنِىُّ، لم يحتج المتكلم إلى الضمير، ولكنه قد يلحق الضمير مع علم المخاطب بأنه المقصود على سبيل التوكيد لا البيان والتخصيص، وشبهه أيضا بقولك للمقبل عليك المنصت لك (أنت تفعل يا فلان) توكيدا، وبقولك (أرأيتك) توكيدا (146) .
كما أشار سيبويه إلى ما يعمد إليه المتكلم من حذف المبتدأ اعتمادا على القرائن الحالية المصاحبة للكلام والمرطبة بحاسة من الحواس الخمس، فيقول:"وذلك أنك رأيت صورة شخصٍ فصار آيةً لك على معرفة الشخص فقلت: عبدُ الله وربِّى، كأنك قلت: ذاك عبدُ الله، أو هذا عبدُ الله. أو سمعتَ صوتا فعرفت صاحب الصوت فصار آيةً لك على معرفته فقلتَ: زيدٌ وربِّى. أو مسستَ جسدًا، أو شممتَ ريحا فقلت: زيدٌ أو المسكُ. أو ذُقْتَ طعاما فقلت: العسلُ.ولو حُدِّثتَ عن شمائل رجل فصار آيةً لك على معرفته لقلت: عبدُ الله. كأنّ رجلا قال: مررتُ برجلٍ راحمٍ للمساكين بارٍّ بوالديه، فقلت: فلانُ والله" (147) .
فإذا كان سيبويه في أمثلة سابقة قد أشار إلى حذف أحد عناصر التركيب لدلالة الحركة الجسمية عليه فإنّه في هذا الموضع يتحدث عن المتكلم المعبر عن نفسه دون التوجه بكلامه هذا إلى مخاطب بعينه، وجعل ما يحيط به من عناصر مستمدة من الموقف والمرتبطة بحواسّه الخمسة - كالرؤية والسمع والمسّ والشّم والتذوّق - أو المرتبطة بمعرفته للمخاطب عن طريق سابق تحدّثٍ عنه دليلًا على المبتدأ المحذوف، وتصبح هذه الأشياء الواقعة في مجال خبرة الحواس أو المعرفة جزءا من نسيج اللغة، وتقوم مقام العناصر اللغوية الخالصة (148) .
وبعد هذا العرض، فإنه بوسعنا أن نشير إلى عدد من النتائج المهمة المتعلقة بالسياق عند الأوائل من علماء العربية: