فهرس الكتاب
أولاها: أنّ علماء اللغة قديما وحديثا أدركوا هذه الوظيفة المهمة للسياق، بل إن فكرة السياق ودلالته على المعاني الحقيقية للكلام مطروحة في الفكر الإنساني منذ أفلاطون وأرسطو،"فقد تحدث أفلاطون في كتابه"فيدروس"عن مراعاة مقتضى الحال في الخطابة، وكذلك عرض أرسطو في كتابه"فن الشعر"لموضوع مقتضى الحال، وأشار إلى أن الفكرة هي إيجاد اللغة التي يقتضيها الموقف ويتلاءم وإياه" (149) .
ولم يكن علماء العربية بعيدين عن إدراك وظيفة السياق ودلالته، فقد أشرت إلى اهتمام علماء القرآن والأصوليين بشقيّ السياق في فهم دلالة النصوص الشرعية. وإلى ربط عبد القاهر الجرجاني فصاحة الكلمة بسياقها اللغوي والتركيب الذي قيلت فيه، وذلك عند حديثه عن نظرية النظم، وربط الكلام بمقام استعماله.
فلقد كان البلاغيون عند اعترافهم بفكرة (المقام) متقدمين ألف سنة تقريبا على زمانهم لأن هذه الفكرة بوصفها من أسس تحليل المعنى تعد الآن في الغرب من الكشوف التي جاءت نتيجة لمغامرات العقل المعاصر في دراسة اللغة (150) . وحين قال البلاغيون:"لكل مقام مقال"و"لكل كلمة مع صاحبتها مقام"وقعوا على عبارتين من جوامع الكلم تصدقان على دراسة المعنى في كل اللغات لا في العربية الفصحى فقط وتصلحان للتطبيق في إطار كل الثقافات على حد سواء.
ولم يكن"مالينوفسكي"وهو يصوغ مصطلحه الشهير يعلم أنه مسبوق إلى مفهوم هذا المصطلح بألف سنة أو يزيد؛ لأن الذين عرفوا هذا المفهوم قبله سجلوه في كتبهم تحت مصطلح (المقام) ، ولكنّ كتبهم هذه لم تجد من الدعاية على المستوى العالمي ما وجده مصطلح مالينوفسكي من تلك الدعاية بسبب انتشار نفوذ العالم الغربي في كل الاتجاهات وبراعة الدعاية الغربية الدائبة.