فهرس الكتاب
ولم يكن أقل من هاتين العبارتين صدقا في تحليل اللغة ما سبق إليه النحاة العرب في مقولتهم المشهورة"الإعراب فرع المعنى"، فهذه المقولة أيضا من جوامع الكلم إذا فهمنا بالإعراب معنى (التحليل) ؛لأن كل تحليل لا يكون إلا عند فهم المعنى الوظيفي لكل مبنى من مباني السياق (151) .
ثانيها: أن النحاة الأوائل - وعلى رأسهم الخليل وسيبويه - اعتمدوا على السياق بشقيه في التقعيد النحوي، ويبدو ذلك جليا من اعتمادهم على السياق اللغوي في بيان مبنى التركيب ودلالته وتجويزهم بهذا السياق حذف أحد عناصر الجملة وطريقة ترتيب هذه العناصر اللغوية داخل التركيب، واستعانتهم بطرق الأداء اللغوي المصاحبة للنطق بالعبارة كالوقف و النبر والتنغيم.
وأما اعتمادهم على سياق الحال فيتضح من استعانتهم بإرادة المتكلم والمخاطب في تعيين معنى التركيب واهتمامهم بمضمون الرسالة وضرورة اختيار المفردات المناسبة لكل باب، واستعانتهم بملابسات الحال في التوجيه النحوي، والحكم على التركيب بالصحة أو الإحالة، وتسويغ الحذف استنادا على دلالة الحركة الجسمية والحواس الخمسة وباقي عناصر سياق الحال.
ثالثها: أنه إذا كان كتاب سيبويه يمثل أولى المحاولات المكتوبة التي وصلتنا من التراث النحوي، فهو يمثل أيضا قمة الدراسات النحوية التي سبقته، ويعد مصطلح"الحال"الذي استخدمه سيبويه أقدم مصطلح في التراث العربي النحوي - على حد علمي - يقترب من مفهوم"سياق الحال"في أيامنا، ولعل هذا المصطلح عند سيبويه يرجع إلى أستاذه الخليل، الذي أثبت كتاب تلميذه اعتماده الواضح على السياق اللغوي وسياق الحال في دراسة التراكيب النحوية.