الصفحة 38 من 50

وهكذا تلتقي تطبيقات الخليل وتلميذه سيبويه مع أحدث الاتجاهات اللغوية مع تباعد الزمن والشقة (152) ، إذ كانا يعوّلان على شقيّ السياق على النحو الموضح في الملحوظة السابقة، مما يجعلنا نقول دون تردد: إنهما يعدان بحق رائدي النظرية السياقية، إذ طبقا عمليا وبإحكام جميع عناصر هذه النظرية مع أدق تفاصيلها، ولم يتركا - تقريبا - شيئا مما عرفته الدراسات الاجتماعية الحديثة إلا ومارساه تطبيقًا في الكتاب، أو كما يقول الدكتور نهاد الموسى عن سيبويه: فوجدته منذ ذلك العهد المبكر يفزع إلى السياق والملابسات الخارجية وعناصر المقام، ليردّ ما يعرض في بناء المادة اللغوية من ظواهر مخالفة إلى أصول النظام النحوي طالبا للاطراد المحكم. وهو يوافق فيما صدر عنه في الكتاب ملحوظات كثيرة مما تنبني عليه الوظيفة ومناهج"التوسيع"أو اللغويات الخارجية بعبارة"دي سوسير"، كما أشبهت ملحوظاته ملحوظات اللغويين"الاجتماعيين" (153) .

وعند هذا الحد ينبغي أن نتساءل: إذا كان السياق عند الخليل وسيبويه بهذا الوضوح، فهل استطاع النحاة بعدهما تطوير مفهوم السياق؟ أو أن يوظفوه بشكل أوسع وأشمل؟ أو أن يضعوا له الإطار النظري الذي يجعله نظرية لغوية مستقلة؟

يبدو أن النحاة من بعد الخليل وسيبويه لم يطوروا هذه الملحوظات والتطبيقات العملية الذكية له، فقد اتجهت الدراسات النحوية من بعدهما إلى الجانب التحليلي لا التركيبي، فأصبحت تُعنى بتحليل مكونات التركيب أكثر من عنايتها بالتركيب نفسه مع العناية الواجبة في كل ذلك بالمعالم السياقية بوصفها ظواهر لا تبدو إلا في التركيب، ولكن النحاة لم يفطنوا إلى طبيعة التعارض الممكن بين مطالب التحليل ومطالب التركيب (154) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت