يستطيع المسلم الواعى، أن يصيب جلها أو بعضها، فيغير من تنافسه السابق، وإنما كان البذل المالي ظاهرًا في حياة التاجر، لأنه أنفس ما يملك، فيستطيع ببذل ماله وجوده أن يضاهي الصالحين المقربين، ويدرك منازل المتقين، ويصبح مشابها لأبي بكر وعثمان وأبي حنيفة وابن المبارك رحمهم الله تعالى.
وكذلك كل غارق في شهوات الدنيا، إذا بلغه الله رمضان، يعلن توبته ورجوعه بكل شجاعة، ويقهر شيطانه، ويجاهد نفسه، ليصيب حقيقة السعادة، ويعيش الفرح الإيماني الباهر!!. لأنه ما جاء الشهوات إلا بحثًاعن المتعة، فنقول له: متعتك رمضان، وإنها لمتعة سرمدية، تعيش معك ما لم تخرقها، ولا يمكن أن تضاهيها تلك الشهوات الماحقة، والآئلة للبوار، وجلب المتاعب والأسقام.
وأرباب الجد والعمل، تتضاعف أعمالهم، وتزداد قرباتهم، فتلقى الختمة تلو الختمة، كمن كان يصنع عثمان وأبو حنيفة والشافعي وابن المبارك ومالك وقتادة وأيوب السختياني رحمهم الله، حيث نُقلت لهم عشرات الختمات، التي توحي بتعظيمهم لرمضان، وشغفهم بذكر الله، قال مالك بن دينار رحمه الله: (ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل) .
فلا أطيب للصائم من الذكر وقراءة القرآن (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) ) (185البقرة) .
والتنافس في رمضان يتناول تحسين الصوم، والإقبال على القرآن، وذكر الله المطلق، وخدمة الناس، وتفطير الصائمين، وإغاثة الملهوفين، وقيام الليل، وإمامة الناس، وتعليم الجهلة، وحفظ الجوارح، وصون المنطق، ومبادرة الحسنات، ولزوم الدعوات، وما شاكل ذلك.
(10) تغيير الإخوة
كم تفرق الدنيا، وتخاصم بين الإخوة والأخوات، وتجعلهم كالغرباء في البيت الواحد، وكاللاجئين في الموطن الواحد؟!
فيدخل رمضان ليطهر النفس من أحقادها وخبثها، ويغسلها بغسول التقوى الطاهر، ورحيق الذكر الآسِر، فيذهب حمية النفس المتعصبة، وغرورها الجاثم، ليحل محله السماح، والتواضع، ومحبة الخير، فتئوب للمصالحه والصلة، والسبق للإخاء والسلام.
إن ذلك الموسم فرصة عند اللبيب، ليغير من إخوته الجفاة، ويستغل هدوء نفوسهم، فيلقمهم بعض الهدايا التربوية والايمانية إلتى تضمن تغيرهم بعد رمضان، ورجوعهم إلى الحق، وتركهم العناد والمكابرة!!
وهذا يتطلب منه أمورًا:
الأول: اتصاله هاتفيًا مباشرة للتهنئة برمضان.
ثانيًا: زيارتهم من الأيام الأولي بأبنائه، وتقديم التهاني والتبريكات. قال تعالى: (( وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ) (34: فصلت)
ثالثًا: دعوتهم للإفطار، أو وضع إفطار جماعي في بعض الاستراحات لكافة أبناء الأسرة وأولادهم لتحصل اللُحمة، ويتصل الإخاء، ويكون رمضان دافعًا تطبيقيًا لأواصر المحبة والمروءة والأصالة.
رابعًا: إشعارهم بالمسامحة والتغاضي حتى عن الماضي، وبدء صفحة جديدة، وأن رمضان فاتحة الانطلاق، وبداية المصادقة والالتحام.
(11) تغيير الأبناء
الأبناء كغيرهم يحسون بفرحة رمضان، وتتغير الأشياء من حولهم عبادة ولهوًا، ورحمةً وأكلًا وشربًا الخ
ويستطيع الأب العاقل، استثمار ذلك من خلال المسجد والبيت، فيحرِّض أبناءه على الصيام وتعظيمه، والقرآن وختمه، والذكر ومحبته، والصدقة والمسارعة إليها .... ولو بأدنى الأشياء كما قال صلى الله عليه وسلم (ولو بشق ثمرة) وقال (ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) .
وقال عليه الصلاة والسلام: (والكلمة الطبية صدقة) .
سلطة الأب على الأبناء نافذة، ورمضان وسيلة تربوية لترسيخ مفاهيم كثيرة في الطاعات والعبودية لله تعالى، وعلى الأب أن يسلك الخطوات التالية:
1.تكليفهم بالصيام من الصغر، والقراءة ووضع تُحَف الإكرام والتشجيع لهم.
2.صنع حلقة إيمانية في البيت، يحكي فيها شرف رمضان والمسارعة فيه.
3.أخذهم إلى المساجد والتراويح، والحضور بهم في اللقاءات الاجتماعية والخيرية كالندوات والمهرجانات.
4.تعليمهم أدب رمضان، وأخلاق الصائمين، وأن المؤمن لا يجعل يوم صومه كيوم فطره، بل يتأدب ويصون نفسه كثيرًا، حتى يسلم له صومه وتصح عبادته.
5.وضع مسابقات رمضانية للأسرة، وعلى الأم أن تساعد الأب في ذلك، ومن خلال مواقع النت بات الأمر سهلًا وميسورًا.
6.إشراكهم في خدمة مشاريع إفطار الصائم، التي تكون في المساجد من الخدمة والمعاونة والمشاركة، والصلاة في الناس بالتراويح، لا سيما عند الاحتياج، وتعويدهم على ذلك.
(12) تغيير الجيران
وصى الإسلام بالجار، ونهى عن أذيته قال صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن، من لا يأمن جارُه بوائقه) أي شروره كما في الصحيحين.
وكاد جبريل عليه السلام أن يورثه من كثرة التوصية بحقه كما صح بذلك الحديث.