وعلى هذا لو سافر إنسان من بلد إلى بلد مثل أن يسافر من مصر إلى دمشق لأجل مسجدها أو بالعكس، أو إلى مسجد قباء من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعًا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم (1) .
يقول ابن تيمية في"الجواب الباهر"ضمن"مجموع الفتاوى" (27/342) مشيرًا إلى الفرق بينهما:(فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فصلى في مسجده وصلى في قباء وزار القبور كما مضت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا هو الذي عمل العمل الصالح، ومن أنكر هذا السفر فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في مسجده وسافر إلى مدينته
فلم يصل في مسجده - صلى الله عليه وسلم - ولا سلم عليه في الصلاة بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع ضال مخالف لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولإجماع أصحابه ولعلماء أمته).
يعني أن من سافر من بلد بعيد إلى مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في نيته وقصده إلا إتيان القبر الشريف وأن أي شيء آخر يقوم به في المدينة إنما هو تابع لهذا الغرض الأساسي فهو مبتدع مخالف للسنة ولإجماع الصحابة، ولهذا يقول العلامة ابن عبد الهادي في"الصارم المنكي في الرد على السبكي" (ص27) : (والسفر إلى زيارة القبور مسألة وزيارتها من غير سفر مسألة أخرى. ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة وجعلهما مسألة واحدة وحكم عليهما بحكم واحد وأخذ في التشنيع على من فرق بينهما وبالغ في التنفير عنه فقد حرم التوفيق وحاد عن سواء الطريق) .
وإذا علم الفرق بين شد الرحال وبين زيارة القبور من حيث المعنى فليعلم الفرق بينهما من حيث الحكم الشرعي، وذلك ببيان حكم كل منهما.
* المبحث الثاني:
زيارة القبور في الشريعة الإسلامية
(1) انظر"الجواب الباهر" (ص28) تحقيق مطرجي.