في هذا المبحث نتناول موضوع زيارة القبور في الشريعة الإسلامية حكمًا وحكمة وصفة، وعلى هذا المحور تدور المطالب التالية:
المطلب الأول: حكم زيارة القبور في الشريعة الإسلامية:
لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن زيارة القبور في أول الأمر سدًا للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوب الناس أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله فإن زيارته غير مأذون فيها (1) .
والدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } رواه مسلم.
فاتفق أهل العلم على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قد نهى عن زيارة القبور، إلا أنهم اختلفوا هل نسخ ذلك النهي أم لا، وبالتالي اختلفوا في حكم زيارة القبور بين قائل بأنها مكروهة، وقائل إنها مباحة، وقائل إنها مستحبة.
المذهب الأول: القول بكراهة زيارة القبور، وهو مذهب إبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، والشعبي. رواه عنهم عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وهؤلاء من أجلة التابعين.
فعللت ذلك طائفة من السلف بأن النهي عن زيارة القبور لم تنسخ وأن الأحاديث الواردة
في ذلك ليست بمشهورة حتى إن أبا عبد الله البخاري لم يروها.
قلت: وهذا قول ضعيف، لأن الحديث صحيح وإن لم يروه البخاري، وهو رحمه الله
لم يرو كل ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا اشترط ذلك على نفسه.
المذهب الثاني: القول بإباحة الزيارة، وهو قول طائفة من أهل العلم منهم مالك في قول له. حيث سئل عن زيارة القبور فقال: (كان قد نهى عنها عليه السلام ثم أذن فيها، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرًا لم أر بذلك بأسًا. وليس من عمل الناس) ، وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها.
(1) انظر"إغاثة اللهفان" (1/313) .