وبمثل هذا يكون للعبد المؤمن حظ أوفر من الحب، الذي يزيده من تعلقه بربه، والرضا بقضائه فيه، والتسليم لأمره في كل ما صار إليه، وهذا يُصيِّره إلى باب الرضوان، وعتق النفس من كل أوضارها، وعروجها في سلم العبودية، لتفنى في ذوب النور السرمدي، فتكون شيئًا -ولو يسيرًا- منه، فيكون على أقرب منزلة من منازل الحقيقة، التي لا يعرفها إلا من أذن الله له أن يكون حالًا فيها بماديته، بحسناها وزيادة منها، فأيُّ عبد هو بمثل هذه العبودية المكنونة بالنور وفي النور، ليبعث يوم القيامة متجليًا بصورته المادية البشرية في أبهى النور وأسناه، وهو بها شيء منه أو كأن!
أليس من حق الحب على الناس أن يعظموه في نفوسهم، وأن يوقروه في صدورهم، وأن يتوارثوه جيلًا عن جيل، وأن يتواصلوا به فيما بينهم، وأن يكون الرجاء الذي تصَّاعدُ فيه الرقى، وأن يقيموا عليه فقههم في الدين، ينفون به عن أنفسهم الهوى والجهل، ويسعدون به حياتهم بالعلم الصحيح، من غير مراء ولا ارتياب، ويصدُّون به عنهم ما يحاك لهم في أكناف الظلام العاتي، فواالله إن للحب مذاقًا لا يدركه إلا العارفون، ولونًا لا يراه إلا المبصرون العاملون، وجرسًا لذيذًا، لا يقع إلى في أسماع المحبِّين المرهفين، فهلا كان لمن نحب ونخشى عليهم الفتنة -بإعراضهم، وتسورهم بواطن الغيب، وإخلادهم إلى الوقيعة في براءات المخبتين- أن يتخذوا من الحب سلمًا يرقون به في رضا الله، وميزانًا يعدلون به في الأرض التي يحثون من فوقها خطاهم، ورجاءً يسمو بهم إلى ربهم في سر وإعلان، فكم -واالله- من خير فاتهم إذ كان منهم فوت للحب، وكم -واالله- من حسن هبت رياحه عليهم فضنوا به على أنفسهم إذ ضنوا بالحب عليها، وكم -واالله- من بِرٍّ كان له جلال يمسون فيه ويصبحون، فغدوا منه على حرد، إذ كانوا على الحب لائمين، فأيما حب هذا الذي يدَّعون وفي لبه يلحدون؟!