إنه بخل مُوَثَّقٌ بحبل متين، لا يكون إلا ممن لم يسمعوا يومًا أن في دنيا الناس سخاء، ورجاء يمر بأطيافه أمام عيونهم في آن لا يكون في الناس إلا اليأس من رجاء، تلقاهم على غير عِدَّة، فتعرفهم من لحن القول، وجرس الصوت، ونظرة العين، حتى إذا ما علموا أنك علمت منهم خفيَّ حالهم، وسيءَ أمرهم، وسريرة صدورهم -لاذوا بحيلة أحدثوها سراعًا، يطمسون بها ما ظهر منهم للناس، حتى لكأن شيئًا مما كان وبان لم يكن ولا وبان ولست والله إخال أن في الناس ناسًا برمت بهم نفوسهم أن يكون لهم فضلُ كسبٍ من معروف لا يثقل عليهم حمله، ولا يُسيئهم أثره، ولا يحدث لهم وفيهم إلا خيرًا.
ولو كان الحب شيئًا من صنع الناس، فماذا كان يمكن أن يكون من هؤلاء أكثر من هذا الذي كان؟!
إذًا -والحب شيء خلقه الله، وجعله حسنًا، وحبَّبه إلى الناس وأقام وجودهم كله في حياتهم عليه- فلا ينبغي أن يفوتهم فضلُه، وفضلُه ليس عسيرًا عليهم نواله، ولا شاقًا عليهم إدراكه، ولا صعبًا عليهم الأخذ بأسبابه، إذ هو شيء مودع في جِبلاتِهم، وقد مازه الله سبحانه من ضده -وهو البغض- وأجرى لهم من جميع أقطار نفوسهم أسبابه ودواعيه المُرغّبة فيه، وحذّرهم من الأسباب والدواعي المرغّبة عنه، وما أبقى سبيلًا سالكة إليه إلا وأوضحها، ولا عقبة تحول بينه وبينهم إلا وبيَّنها، فكان فضلًا من ربهم جمعه إلى مُودَع الفطرة، نعمةً سابغةً، مطولةً بندى الإيمان -والخضوع لأمره سبحانه، من غير جحود لها ولا نكران. ولا يكون الحب هنيئًا بهنيء، ولا مريئًا يُمْرِىُ إلا من أهله، وأهله هم الذين يعرفون حكمًا شرعيًا يُخْضَعُ له ويُستجاب، ولا يضعونه إلا في مواضعه التي لا يخالف عن الحكم الذي فرضه الله سبحانه على عباده، فكان منهم ومنهم.